ملفات إبستين: شبكة نفوذ مستمرة ونشر حكومي يثير غضب الضحايا والكونغرس

أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن دفعة جديدة وضخمة من الوثائق المرتبطة بتحقيقات جيفري إبستين، الممول الأمريكي المدان بجرائم الاعتداء الجنسي والاتجار بالقاصرات، في إطار تنفيذ قانون الشفافية الذي أُقرّ مؤخرًا، غير أن طريقة النشر فجّرت موجة انتقادات حادة من الضحايا ومحاميهم، وفتحت مجددًا ملف علاقاته الواسعة مع شخصيات نافذة حول العالم.

وبحسب الوزارة، فإن ما نُشر حتى الآن يناهز ثلاثة ملايين وثيقة، من أصل أكثر من ستة ملايين ملف، ما يعني أن نحو نصف المواد لا يزال غير معلن، وسط اتهامات للحكومة بالتأخير وعدم الالتزام الكامل بالقانون.

مراسلات تتعلق بالأمير السابق أندرو

وتُظهر الوثائق مراسلات تعود إلى عام 2010، عرض فيها إبستين ترتيب تعارف بين شخصية موقعة باسم “الدوق” وامرأة روسية تبلغ 26 عامًا، مع اقتراح عشاء خاص في لندن.
وتشير رسائل مؤرخة بين 11 و12 أغسطس/آب 2010 إلى أن إبستين وصف المرأة بأنها “ذكية وجميلة وجديرة بالثقة”، فيما رد الطرف الآخر، الموقّع بالحرف “A” ويُعتقد أنه الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن-وندسور، معربًا عن رغبته في لقائها وطلب مزيد من التفاصيل عنها.

كما تضمنت مراسلات أخرى، بتاريخ 27 سبتمبر/أيلول 2010، مناقشة ترتيب لقاء خاص في لندن، مع اقتراح عشاء في قصر باكنغهام “لضمان الخصوصية”، وفق نص الرسائل.

ملفات إبستين الجديدة تُظهر أندرو راكعاً فوق فتاة

وفي هذا السياق، قال عضو الكونغرس الأمريكي الديمقراطي سوهـاس سوبرامانيام إن المشرّعين سيواصلون الضغط على الأمير السابق للإدلاء بشهادته أمام لجنة الرقابة في مجلس النواب، رغم عدم امتلاك الكونغرس ولاية قضائية مباشرة عليه، مضيفًا أنه لا يزال يأمل في أن يتقدم الأمير، أو أي شخص يمتلك معلومات ذات صلة، للإدلاء بإفادته.

انتقادات لأسلوب نشر الملفات

وعلّق سوبرامانيام على عملية نشر الوثائق بالقول إن الديمقراطيين يشعرون بـ”الفضول” إزاء ما لم يُكشف بعد، مشيرًا إلى أن “نحو ثلاثة ملايين ملف” لا تزال غير منشورة. وأضاف: “قالوا إن لديهم أكثر من ستة ملايين ملف، لكن ما أُفرج عنه حتى الآن لا يتجاوز نصف ذلك”.

واعتبر أن الإدارة الأمريكية كان بإمكانها التعامل مع الملف بشكل أفضل، قائلًا: “كان يمكنهم ببساطة الالتزام بالقانون”، مشيرًا إلى أن الوزارة كانت مطالَبة بتسليم جميع الملفات قبل أكثر من أربعين يومًا.

بيل غيتس

كذلك ردّ متحدث باسم المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، بيل غيتس، على مزاعم وردت في الوثائق تزعم إصابته بمرض منقول جنسيًا، واصفًا إياها بأنها “سخيفة تمامًا وكاذبة بالكامل”.

وتشير الوثائق إلى رسالتين إلكترونيتين مؤرختين في 18 يوليو/تموز 2013، يبدو أنهما كُتبتا من حساب إبستين نفسه وأُعيدتا إلى الحساب ذاته، دون وضوح ما إذا كانتا قد أُرسلتا أصلًا إلى غيتس، كما لا يظهر أي عنوان بريد إلكتروني مرتبط به، ولا تحمل الرسالتان توقيعًا واضحًا.

وقال متحدث باسم غيتس لبي بي سي إن هذه الرسائل تعكس “إحباط إبستين من عدم وجود علاقة مستمرة مع غيتس، واستعداده للتشهير”.

اللورد ماندلسون

وكشفت مراسلات أُفرج عنها أن اللورد بيتر ماندلسون ناقش عام 2009 إمكانية الإقامة في أحد ممتلكات إبستين في نيويورك، في وقت كان الأخير يقضي عقوبة سجن بتهمة استدراج قاصر لأغراض الدعارة.

وتعود الرسائل إلى 16 يونيو/حزيران 2009، بعد أيام من تعيين ماندلسون وزير دولة أول في حكومة غوردون براون، حيث أشار إلى أن ممتلكات إبستين توفّر “مرافق أفضل”.

تفاصيل جديدة عن احتجاز إبستين ووفاته

وتضمنت الوثائق إفادة أدلى بها مسؤول في مركز الاحتجاز الإصلاحي متروبوليتان في نيويورك عام 2019، تشير إلى أن إبستين كان يُنقل مرارًا من وإلى وحدة سكن خاصة، ووُضع وأُزيل عن “مراقبة الانتحار”.

ووفق الإفادة، كان إبستين يفضّل عدم وجود زميل في الزنزانة، واتبع سلوكًا وُصف بـ”التلاعبي” لتجنّب ذلك. وفي 23 يوليو/تموز 2019، عُثر عليه “فاقدًا للاستجابة”، قبل أن يُلاحظ لاحقًا قيامه بحركات لا تتسق مع فقدان الوعي، وادعائه أن زميله حاول قتله.

ورغم توصية مدير السجن بعدم إيوائه بمفرده وإجراء تفقد كل 30 دقيقة، أُبلغ الشاهد يوم 10 أغسطس/آب 2019 بالعثور على إبستين فاقدًا للاستجابة داخل زنزانته دون وجود زميل، كما أقرّت إفادات لاحقة بعدم تنفيذ جولات التفقد وتعطل نظام الكاميرات.

إيلون ماسك

كما كشفت الوثائق عن تبادل رسائل إلكترونية بين الملياردير الأمريكي إيلون ماسك وإبستين خلال عامي 2012 و2013، تضمنت تنسيقًا لزيارة محتملة إلى جزيرته الخاصة، قبل أن تُلغى لأسباب وصفها ماسك بـ”اللوجستية”.

وأظهرت الرسائل أن ماسك سأل إبستين عن موعد “أكثر حفلة جنونًا” على الجزيرة، مشيرًا إلى أن الزيارة المحتملة ستكون برفقة زوجته السابقة تالولا رايلي. غير أن الزيارة لم تتم، وأكد ماسك لاحقًا أنه رفض مرارًا دعوات لزيارة الجزيرة أو السفر على متن طائرة إبستين.

اسم ترامب يتكرر 

ووفقًا لموقع وزارة العدل، ورد اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مئات المرات في الملفات المنشورة. وتضمنت الوثائق قائمة أعدّها مكتب التحقيقات الفيدرالي ببلاغات تلقاها عبر خط البلاغات الوطني، تضمنت مزاعم غير موثقة بالاعتداء الجنسي.

وأكدت وزارة العدل أن هذه الادعاءات “غير صحيحة وكاذبة”، ولو كانت ذات مصداقية “لكانت استُخدمت بالفعل” ضد ترامب، الذي ينفي بدوره أي تورط أو علم بجرائم إبستين.

جيفري إبستين

ضحايا إبستين: “نشر مشين”

في المقابل، وصف محامو ضحايا الاتجار بالجنس التابعين لإبستين طريقة التعامل مع الملفات بأنها “مُشينة”. وقالت المحامية سيغريد مكولي إن شبكة إبستين وماكسويل قامت على “توفير فتيات وشابات لأشخاص أثرياء ونافذين”، ما منح المتورطين نفوذًا متبادلًا.

وأضاف محامون آخرون أن عملية النشر كشفت هويات ضحايا لم يدلوا بشهاداتهم علنًا، بينما بقي الجناة مجهولين، معتبرين ذلك “إعادة إيذاء للناجيات”.

ضغط سياسي متصاعد

سياسيًا، طالب مشرعون من الحزبين بالاطلاع على النسخ غير المنقحة من الملفات، مؤكدين أن الكونغرس لا يستطيع أداء دوره الرقابي دون السجل الكامل، فيما شددت وزارة العدل على أن أكثر من 500 محامٍ يعملون على مراجعة الوثائق، مبررة بطء النشر بضخامتها.

وكان إبستين قد عُثر عليه مشنوقًا في زنزانته عام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة بتهم الاتجار بالجنس، في قضية لا تزال تداعياتها القانونية والسياسية تتكشف حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى