شركات الطيران العالمية تؤجل التحوط وترهن الوقود بانفراج الحرب مع إيران

تراهن شركات الطيران العالمية على تراجع أسعار الوقود خلال الأشهر المقبلة، مع تجنب إبرام عقود تحوّط جديدة، في خطوة تعكس تقديرات بانفراج قريب للحرب مع إيران، لكنها تفتح الباب أمام مخاطر مالية كبيرة إذا استمر التصعيد.

وتعتمد هذه الاستراتيجية على توقعات الأسواق بانخفاض أسعار النفط ووقود الطائرات على المدى المتوسط، رغم القفزة الحادة التي شهدتها الأسعار منذ اندلاع المواجهة قبل أسابيع، ما خلق حالة من التردد داخل القطاع.

وتظهر البيانات أن شركات الطيران الأوروبية قامت بالفعل بتغطية نحو 80% من احتياجاتها من الوقود لهذا العام عبر عقود تحوّط سابقة، لكنها أوقفت حالياً إبرام عقود جديدة، في انتظار تحسن الأسعار.

ويرتفع سعر وقود الطائرات إلى نحو 180 دولاراً للبرميل، مع اتساع الفجوة بينه وبين خام برنت، في ظل اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب، خاصة مع مرور نحو 40% من وقود الطائرات العالمي عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة.

وتعكس هذه الأرقام حجم الضغط الذي تواجهه شركات الطيران، حيث يؤدي أي ارتفاع إضافي إلى زيادة مباشرة في التكاليف التشغيلية، ما يهدد هوامش الربح في قطاع يعتمد بشكل كبير على استقرار أسعار الوقود.

وتؤكد تصريحات مسؤولي شركات الطيران أن قرار تأجيل التحوّط ليس عشوائياً، بل يستند إلى قراءة مفادها أن الأسعار الحالية مرتفعة بشكل مؤقت.

ويشير الرئيس التنفيذي لمجموعة “رايان إير” إلى أن الشركة لن تدخل في عقود تحوّط خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، في ظل غياب جدوى التحوّط عند هذه المستويات السعرية.

ويعزز هذا التوجه استمرار توقعات بانخفاض الأسعار مستقبلاً، حيث تشير تقديرات السوق إلى أن أسعار وقود الطائرات لصيف 2027 لا تزال أقل بكثير من المستويات الحالية، ما يشجع الشركات على الانتظار.

وتتبنى شركات كبرى مثل “لوفتهانزا” النهج نفسه، بعد أن أوقفت عمليات التحوّط منذ بداية النزاع، مكتفية بالعقود التي أبرمتها قبل الأزمة، والتي تغطي الجزء الأكبر من احتياجاتها الحالية.

ويستند هذا الرهان أيضاً إلى توقعات بانفراج نسبي في الإمدادات، رغم الاضطرابات الحالية، التي تشمل تعطل تدفقات الوقود من دول خليجية مثل الكويت والسعودية والإمارات، إضافة إلى توقف صادرات الصين، أحد الموردين الرئيسيين.

ويرى متعاملون في السوق أن هذه العوامل مؤقتة، وأن عودة التدفقات الطبيعية ستؤدي إلى تصحيح الأسعار، ما يمنح شركات الطيران فرصة لتثبيت الوقود عند مستويات أقل إذا تحلت بالصبر.

وتدعم هذه الرؤية تصريحات مسؤولي شركات مثل “إيزي جيت”، التي تتوقع تراجع أسعار الوقود من نحو 1800 دولار للطن حالياً إلى حوالي 1000 دولار خلال الصيف، مع احتمال العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة.

غير أن هذا الرهان يحمل في طياته مخاطر واضحة، إذ يحذر محللون من أن تأجيل التحوّط قد يعرّض الشركات لخسائر إذا استمرت الأسعار في الارتفاع، خاصة في ظل عدم اليقين بشأن مدة الصراع.

ويؤكد خبراء أن التحوّط لا يهدف فقط إلى خفض التكاليف، بل إلى توفير الاستقرار المالي، حتى في حال تثبيت الأسعار عند مستويات مرتفعة، ما يضمن وضوحاً في التخطيط المالي.

وتختلف الاستراتيجيات بين الشركات الأوروبية ونظيراتها الأمريكية، حيث تتجنب شركات الطيران الأمريكية التحوّط بالكامل، وتعتمد بدلاً من ذلك على إدارة مرنة للعمليات، بما في ذلك تعديل جداول الرحلات.

وتعكس هذه المقاربة تحسباً لسيناريوهات أكثر تشدداً، مثل استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، ما قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية قبل أن تعود للانخفاض تدريجياً خلال السنوات المقبلة.

وتبدأ بالفعل بعض الشركات، مثل “يونايتد”، في تقليص رحلاتها لمواكبة ارتفاع التكاليف، مع توقعات بإجراءات إضافية إذا استمر الضغط على أسعار الوقود.

في المقابل، لا تحصّن عقود التحوّط الشركات الأوروبية بالكامل من التأثر، إذ لا تزال مضطرة لشراء جزء من احتياجاتها من السوق الفورية، ما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار.

وتظهر نتائج مالية أولية حجم التأثير، حيث أعلنت “ويز إير” تكبد خسائر مرتبطة بارتفاع الوقود وتوقف بعض الطائرات، ما يعكس الضغوط المتزايدة على القطاع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى