ارتفاع قياسي في أسعار الرقائق يدفع سوق الهواتف الذكية نحو أسوأ انهيار في تاريخه

يتجه سوق الهواتف الذكية العالمي إلى تسجيل أكبر تراجع سنوي في تاريخه خلال عام 2026، بعدما تحولت الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى عامل ضغط مباشر على صناعة الهواتف، مع ارتفاع أسعار الرقائق الإلكترونية والذاكرة إلى مستويات دفعت الشركات إلى رفع الأسعار وتقليص إنتاج الأجهزة الأرخص.
وتوقعت مؤسسة كاونتربوينت ريسيرش أن تنخفض شحنات الهواتف الذكية عالمياً بنحو 13.9% خلال عام 2026، لتتراجع إلى قرابة 1.08 مليار جهاز، وهو أدنى مستوى سنوي للسوق منذ عام 2013. ويعني ذلك أن الصناعة تواجه انكماشاً أشد من التقديرات السابقة، بعدما كانت السوق قد سجلت نمواً خلال عامي 2024 و2025.
وتكشف الأرقام أن الأزمة لا تعود أساساً إلى اختفاء الحاجة إلى الهواتف الذكية، بل إلى تحول المشكلة إلى أزمة في تكلفة الإنتاج وقدرة المستهلكين على تحمل الأسعار الجديدة.
وتتمثل المشكلة الرئيسية في النقص الحاد في شرائح الذاكرة، بعدما أعطى كبار المنتجين الأولوية للرقائق المخصصة لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، التي تحقق هوامش ربح أعلى بكثير من المكونات المستخدمة في الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية.
وتتوقع كاونتربوينت أن ترتفع أسعار بعض أنواع الذاكرة المحمولة بصورة هائلة مقارنة بمستويات نهاية عام 2025، في وقت يجري فيه تحويل جزء كبير من الطاقة الإنتاجية نحو ذاكرة الخوادم والأنظمة المخصصة للذكاء الاصطناعي.
ويضع هذا التطور شركات تصنيع الهواتف أمام ثلاثة خيارات صعبة: رفع الأسعار، أو خفض المواصفات مثل سعة التخزين والذاكرة، أو تقليص هوامش الأرباح وتحمل جزء من التكلفة.
وتبدو الهواتف منخفضة ومتوسطة السعر الأكثر تعرضاً للخطر، لأن الشركات التي تبيع أجهزة بهوامش محدودة لا تستطيع بسهولة نقل كامل ارتفاع التكلفة إلى المستهلك.
وتشير تقديرات كاونتربوينت إلى أن بعض الفئات السعرية المنخفضة قد تختفي عملياً من بعض الأسواق إذا استمرت أزمة الإمدادات، فيما تتوقع المؤسسة أن تتراجع شحنات الهواتف التي تقل أسعارها عن 200 دولار بأكثر من 20%.
وتظهر الأزمة بالفعل في أرقام السوق. فقد انخفضت شحنات الهواتف الذكية عالمياً بنسبة 11% خلال الربع الثاني من عام 2026، مسجلة أدنى مستوى للربع الثاني منذ 13 عاماً، وفق بيانات كاونتربوينت.
وتراجعت شركات صينية كبرى مثل شاومي وأوبو وفيفو بصورة أكبر من منافسيها، نتيجة اعتمادها الواسع على الأسواق والفئات السعرية الأكثر حساسية لارتفاع الأسعار.
وفي المقابل، تبدو سامسونج وآبل في وضع أفضل نسبياً، بسبب قوة سلاسل التوريد، والقدرة على الوصول إلى المكونات، وانتشار منتجاتهما في الفئات مرتفعة السعر.
واستعادت سامسونج صدارة سوق الهواتف الذكية عالمياً خلال الربع الثاني من 2026 بحصة بلغت 24%، مستفيدة من قوة سلسلة Galaxy S26 وتحسن توافر الأجهزة في عدد من الأسواق، بينما سجلت آبل نمواً في شحناتها بنسبة 3% ووصلت حصتها إلى 20%.
ويعني ذلك أن أزمة الرقائق قد تعيد رسم خريطة المنافسة داخل القطاع، لمصلحة الشركات العملاقة القادرة على امتصاص الصدمات وتأمين الإمدادات، بينما تواجه الشركات الأصغر ومنتجو الهواتف الرخيصة احتمال تقليص الطرازات أو الانسحاب من بعض الأسواق.
ولا تبدو المفارقة أقل وضوحاً في نتائج القطاع المالية؛ فبينما تتراجع أعداد الأجهزة المباعة، ترتفع قيمة السوق بسبب صعود الأسعار.
فقد ارتفعت إيرادات سوق الهواتف الذكية عالمياً بنسبة 7% في الربع الثاني من 2026، فيما قفز متوسط سعر البيع بنحو 17%، ما يعكس انتقال الصناعة نحو أجهزة أقل عدداً وأكثر تكلفة.
وتشير التقديرات إلى أن أزمة الذاكرة لن تكون عابرة، إذ تتوقع كاونتربوينت استمرار الضغوط خلال عام 2027، قبل أن يبدأ السوق في التعافي مع دخول طاقات إنتاجية جديدة إلى قطاع الرقائق.
وبذلك يجد المستهلك نفسه أمام نتيجة مباشرة لطفرة الذكاء الاصطناعي: فكلما توسعت الشركات في بناء مراكز البيانات العملاقة وشراء الرقائق والذاكرة، ازدادت تكلفة المكونات التي تدخل في الأجهزة اليومية.
وبينما كان الذكاء الاصطناعي يُقدم بوصفه التقنية التي ستدفع الناس إلى شراء هواتف جديدة، يبدو أنه أصبح، في الوقت نفسه، أحد الأسباب التي قد تجعل شراء تلك الهواتف أكثر صعوبة وكلفة.















