بلومبيرغ: الإمارات توسع نفوذها في أفريقيا من بوابة الصراعات الأهلية

قالت وكالة بلومبيرغ الدولية إن دولة الإمارات العربية المتحدة توسع نفوذها في أفريقيا عبر المستشفيات والمدارج واستغلال الصراعات الأهلية كما يجرى في السودان.
وذكرت الوكالة أنه في ظل سباق النفوذ الدولي في القارة الإفريقية، تكثف دولة الإمارات تحركاتها السياسية والاقتصادية والإنسانية في دول محيطة بالسودان، ما أثار جدلاً واسعاً بشأن أدوارها في النزاعات الإقليمية، وعلى رأسها الصراع السوداني المحتدم.
ووفقًا لتقرير الوكالة أقامت الإمارات شبكة لوجستية متقدمة في دول إفريقية مجاورة للسودان، تتضمن مستشفيات ميدانية ومدارج طيران ومشاريع بنية تحتية، في خطوة يرى فيها مراقبون محاولة لترسيخ النفوذ السياسي والعسكري في واحدة من أكثر المناطق اضطرابًا في القارة.
نفوذ عسكري مقابل استثمارات
في 23 نوفمبر الماضي، حلّ الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، أحد كبار دبلوماسيي الإمارات، ضيفاً على بانغي، عاصمة جمهورية إفريقيا الوسطى، عارضًا على الرئيس فوستين-أركانج تواديرا اتفاقًا يقوم على السماح للإمارات باستخدام مدارج الطائرات في شرق البلاد مقابل استثمارات إماراتية في مجالات الدفاع والتعدين والزراعة.
بحسب الوكالة فإن هذا العرض، الذي أكده مسؤولون محليون وغربيون، تُوّج باتفاق شراكة اقتصادية وُقّع في مارس الماضي، واعتُبر جزءاً من جهود إماراتية أوسع للتموضع الاستراتيجي في منطقة غنية بالمعادن والزراعة، فضلاً عن تسهيل الدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع السودانية.
وتنفي الإمارات رسمياً تقديم أي دعم عسكري أو لوجستي لأطراف النزاع السوداني، إذ قال متحدث باسم وزارة الخارجية الإماراتية: «ترفض الإمارات بشدة المزاعم بأنها تزود أي طرف بالسلاح في النزاع السوداني. هذه الادعاءات لا أساس لها ولا توجد أدلة تدعمها».
لكن تقارير دبلوماسية وإعلامية تؤكد أن الإمارات شيدت شبكة دعم لوجستي لقوات الدعم السريع تشمل مستشفيات ميدانية في تشاد وجنوب السودان، ما يمنحها نقاط إمداد جديدة عبر إفريقيا الوسطى، وهو ما يزيد من تعقيد النزاع السوداني الذي دخل عامه الثالث مخلفاً عشرات الآلاف من القتلى وقرابة 12 مليون نازح.
دعوى دولية ضد الإمارات
في مايو الماضي، رفضت محكمة العدل الدولية دعوى من الجيش السوداني ضد الإمارات بدعوى عدم الاختصاص، ولم يستأنف الجيش القرار.
ويرى محللون أن علاقات الإمارات بقوات الدعم السريع تنبع من موقفها المعادي للإسلاميين السياسيين الذين يشكلون جزءًا من الجيش السوداني.
وقد فرضت الولايات المتحدة من جهتها عقوبات على كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، متهمة الطرفين بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق خلال الحرب الأهلية المستمرة منذ أبريل 2023.
على صعيد أوسع، تظهر البيانات أن الإمارات أصبحت في السنوات الأخيرة من أبرز المستثمرين في إفريقيا، متفوقة في بعض المجالات على الصين وأوروبا.
فقد ضخت أبوظبي مليارات الدولارات في مشاريع الطاقة المتجددة، واللوجستيات، والزراعة، والعقارات، في محاولة منها لتقليل اعتمادها على النفط وتنويع اقتصادها.
وقال متحدث باسم الخارجية الإماراتية إن «انخراط الإمارات في إفريقيا ليس تبادلياً فقط، بل موجّه بقيم مشتركة ورؤية للتنمية المستدامة والنمو الشامل»، مؤكداً أن بلاده تتعاون حالياً مع أكثر من 50 دولة إفريقية في مجالات متعددة منها الطاقة المستدامة، الأمن الغذائي، البنية التحتية، التعليم، التحول الرقمي والرعاية الصحية.
أهداف سياسية وأمنية
مع ذلك، يرى محللون أن الطموحات الإماراتية في إفريقيا تتجاوز المكاسب الاقتصادية إلى أهداف سياسية وأمنية، إذ قال كونور فاسي، مستشار لدى شركة J.S. Held في لندن: «قامت الإمارات لعقود بدراسة كيف رسخت الدول الأخرى نفوذها في إفريقيا. والآن بينما تنسحب القوى التقليدية، وجدت الإمارات فرصة كبيرة».
وما يثير قلق منتقدي الإمارات هو ما يصفونه بتوظيف المساعدات الإنسانية والاستثمارات كأداة لكسب النفوذ السياسي أو دعم أطراف في نزاعات محلية.
فقد اتهمت جهات حقوقية الإمارات بمحاولة تلميع صورتها عبر مشاريع إنسانية بينما تقدم دعماً عسكرياً لقوات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، مثل قوات الدعم السريع السودانية.
منذ اندلاع الحرب السودانية، قدمت الإمارات نحو 600 مليون دولار كمساعدات للسودان، بينما بلغ إجمالي مساعداتها للبلاد خلال العقد الماضي نحو 3.5 مليار دولار. كما تعهدت في العام 2024 باستثمار 35 مليار دولار في مصر، ما أنقذ الاقتصاد المصري من أزمة نقدية خانقة.
وتمتد تحركات الإمارات إلى دول أخرى، إذ شيدت مستشفيات ميدانية في تشاد وجنوب السودان، وعززت علاقاتها الاقتصادية مع أوغندا وكينيا وإفريقيا الوسطى، ما ساعدها في كسب دعم سياسي لدورها في السودان.
وفي الصومال، توسع الإمارات مطار مدينة بوصاصو الساحلية ليصبح مركزاً لوجستياً مهماً، بينما أظهرت صور الأقمار الصناعية توسعات كبيرة للمطار منذ بداية 2023، في إطار اتفاق مع شركة «موانئ دبي العالمية» لتطوير ميناء بوصاصو أبرم عام 2022.
ويرى محللون مثل كاميرون هدسون، المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، أن تحركات الإمارات في تشاد وإفريقيا الوسطى وإثيوبيا وجنوب السودان والسودان وليبيا تؤكد أهمية منطقة القرن الإفريقي لطموحات أبوظبي.
سياسة مزعزعة للاستقرار
لكن قادة إقليميين، مثل رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيله، يصفون هذه السياسة بأنها «مزعزعة للاستقرار الإقليمي»، في ظل استمرار الصراعات التي تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والعسكرية والسياسية للإمارات.
ومع استعادة الجيش السوداني لبعض المناطق مؤخراً، ظهرت مؤشرات على محدودية الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، إلا أن الأخيرة استعادت بدورها السيطرة على مناطق واسعة في كردفان وأجزاء استراتيجية على الحدود مع ليبيا ومصر، ما ينذر باستمرار الصراع وتداعياته الإقليمية.
وبينما تقول الإمارات إنها تتطلع إلى إفريقيا كشريك اقتصادي وتنموي، فإن دورها المتشابك في النزاعات المحلية يضعها في قلب معادلات سياسية معقدة قد يكون لها أثر عميق على استقرار المنطقة ومستقبل القارة بأسرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى