نيويورك تايمز: استهداف صحفيي الجزيرة يفجّر أزمة دبلوماسية بين إسرائيل وقطر

شهدت العلاقات بين إسرائيل وقطر تصعيدًا غير مسبوق عقب القصف الجوي الإسرائيلي الذي استهدف عمدًا فريقًا من صحفيي قناة الجزيرة بالقرب من مستشفى في مدينة غزة، ما أسفر عن مقتل خمسة منهم، بينهم المراسلان أنس الشريف ومحمد قريقع، والمصوران إبراهيم زاهر ومؤمن عليوة، ومساعد المراسل محمد نوفل.

وأبرزت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، أن الهجوم، الذي وقع مساء الأحد، أثار موجة إدانات دولية، وألقى بظلال ثقيلة على دور الدوحة كوسيط رئيسي في محادثات التهدئة بين إسرائيل وحركة حماس.

اتهامات إسرائيلية ورد قطري صارم
الجيش الإسرائيلي برّر الهجوم باتهام المراسل أنس الشريف بالانتماء إلى حركة حماس، في خطوة أثارت غضب شبكة الجزيرة التي نفت الادعاء جملة وتفصيلًا. وزاد الجيش من حدّة خطابه بوصف القناة بأنها “تابعة لقطر”، ما اعتبرته الدوحة استهدافًا سياسيًا مباشرًا.

من جهته رئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وصف الاستهداف المتعمد للصحفيين بأنه “يكشف مدى فظاعة الجرائم الإسرائيلية التي تتجاوز حدود التصور”، منتقدًا صمت المجتمع الدولي وعجزه عن وقف “المأساة المستمرة” في غزة.

علاقة معقدة بين الخصومة والتعاون
الهجوم الأخير أعاد تسليط الضوء على طبيعة العلاقة المتشابكة بين إسرائيل وقطر؛ فبينما تعتمد تل أبيب على الدوحة كقناة اتصال غير مباشرة مع حماس، تظل الأخيرة هدفًا دائمًا للخطاب العدائي من الساسة والمعلقين الإسرائيليين، خاصة في أوساط اليمين المتطرف.

قطر، الدولة الخليجية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد مواطنيها 400 ألف نسمة، تبني نفوذها الإقليمي والدولي عبر أدوات متعددة: ثروتها الضخمة من النفط والغاز، استضافة قاعدة عسكرية أميركية، شبكة طيران عالمية، وقنوات إعلامية مؤثرة مثل الجزيرة. كما استضافت المكتب السياسي لحماس وقدمت دعمًا ماليًا مستمرًا لغزة، بعلم وموافقة إسرائيل، في محطات سابقة.

حملة تحريض من الداخل الإسرائيلي
التوتر تفاقم مع تصريحات حادة صدرت عن شخصيات إسرائيلية مؤثرة؛ يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء، اتهم قطر بتمويل موجة معاداة السامية عالميًا، فيما ذهب المعلق المقرب من نتنياهو، يعقوب باردوغو، إلى حد الدعوة لقتل قيادات حماس المقيمين في الدوحة، وعدم استبعاد “إيذاء قطر جسديًا”. هذه التصريحات زادت من حدة الاحتقان وأضعفت فرص الحوار.

الوساطة على المحك
يرى مراقبون أن هذه الأزمة تمثل اختبارًا صعبًا لقدرة قطر على الفصل بين دورها كوسيط ومواقفها السياسية. كريستيان أولريكسن، الباحث في معهد بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس، أشار إلى أن استمرار الاستفزازات سيجعل من الصعب الحفاظ على قنوات الاتصال، خصوصًا مع فشل الجهود السابقة في التوصل لاتفاق ينهي الحرب.

استهداف الجزيرة: سياسة قديمة متجددة
عداء إسرائيل لشبكة الجزيرة ليس وليد اللحظة؛ فقد أغلقت تل أبيب مكاتب الشبكة في الضفة الغربية العام الماضي، ومنعت وسائل إعلامية كبرى من دخول غزة، بينما واصلت الجزيرة عملها الميداني، ناقلة صورًا وتغطيات مباشرة للدمار والمآسي الإنسانية الناجمة عن القصف والحصار.

الجيش الإسرائيلي سبق أن استهدف صحفيين آخرين من الشبكة؛ إسماعيل الغول قُتل في غارة جوية صيف العام الماضي، وحسام شبات قُتل في مارس. الاتهامات الرسمية لهم بالانتماء للجناح العسكري لحماس قوبلت دائمًا برفض الشبكة وتأكيدها على الطبيعة المهنية لعمل مراسليها.

ارتباط الهجوم بتصعيد عسكري
الهجوم على أنس الشريف جاء بعد قرار المجلس الأمني المصغّر في إسرائيل تكثيف العمليات العسكرية والسيطرة على مدينة غزة، وهي خطوة وصفتها الجزيرة بأنها “محاولة يائسة لإسكات الأصوات التي تكشف الاحتلال الوشيك للمدينة”.

الصحفيون الخمسة ووروا الثرى يوم الاثنين وسط أجواء من الحزن والغضب الشعبي، فيما أدانت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان العملية واعتبرتها “انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي”، مشيرة إلى مقتل ما لا يقل عن 242 صحفيًا فلسطينيًا في غزة منذ اندلاع الحرب.

المصالح القطرية واستمرار الوساطة
رغم التصعيد، يرى محللون أن قطر لن تتخلى عن دورها الوساطي، إذ يمنحها ذلك مكانة محورية أمام الحلفاء الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. يوأل غوزانسكي، الباحث في “معهد دراسات الأمن القومي” بإسرائيل، لخص المشهد بقوله: “إسرائيل تنتقد قطر، لكنها تتعاون معها بهدوء في قضايا كثيرة… وعليها أن تتذكر أفعالها قبل أن تلوم الآخرين”.

بهذه المعادلة المعقدة، تبدو الأزمة بين إسرائيل وقطر مفتوحة على كل الاحتمالات، بين ضرورة الحفاظ على قنوات التفاوض، وتصاعد الخطاب العدائي المتبادل، في وقت تتواصل فيه الحرب على غزة بلا أفق سياسي واضح، ويستمر فيه استهداف الصحفيين كواحدة من أكثر جرائم الحرب وضوحًا وتوثيقًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى