إيران تحضر الأرضية للجلوس المباشر على طاولة الحوار مع ترمب

قالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن إيران تحضر الأرضية للجلوس المباشر على طاولة الحوار مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد سنوات من العداء المتبادل.

وبحسب الصحيفة فإنه لعدة سنوات، كان علم الولايات المتحدة مرسومًا على أرضية مجمع الرئاسة الإيرانية، بحيث يضطر الزوار إلى دوسه أثناء دخولهم.

لكن تمت إزالة العلم بهدوء قبيل تنصيب ترامب، دون أي تفسير رسمي من المسؤولين الإيرانيين، غير أن هذه الخطوة عكست تحولًا غير معلن في تفكير طهران، في عام يُتوقع أن يكون الأكثر أهمية لها منذ حرب إيران والعراق في الثمانينيات.

 

يأمل المسؤولون في تجنب المواجهة وربما حتى إبرام صفقة مع الرئيس الجديد في ظل وصول البلاد إلى أكثر نقاط ضعفها منذ سنوات.

عودة خصم ايران اللدود إلى البيت الأبيض تتزامن مع وصول المواجهة النووية الطويلة بين إيران والغرب إلى ذروتها، كما تأتي بعد عام من الصراعات التي غيرت موازين القوى في الشرق الأوسط على حساب طهران، حيث بات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر جرأة بفعل سلسلة من الانتصارات العسكرية التي وجهت ضربات قاسية للجمهورية الإسلامية وحلفائها الإقليميين.

إسرائيل، التي تبادلت جولتين من الضربات مع إيران العام الماضي، تزعم أنها دمرت جزءًا كبيرًا من دفاعاتها الجوية، فيما تعرض حزب الله، الحليف الرئيسي لطهران في لبنان، لنكسات كبيرة، كما أن سقوط نظام الأسد في سوريا حرمها من أحد أهم حلفائها.

وبالنظر إلى هذه التطورات، يرى المحللون أن إيران لا تستطيع تحمل استفزاز ترامب أو المخاطرة بمزيد من الصراع العسكري مع إسرائيل أو حتى الولايات المتحدة.

يقول فالي نصر، أستاذ الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز “إنه عام حاسم للغاية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن السياق الاستراتيجي لإيران قد تغير بشكل جذري”، مضيفا “ما خسرته إيران هو قدرتها على إدارة إسرائيل… ويدها باتت أضعف مع الأوروبيين والأمريكيين”.

ومن المتوقع أن يعود ترامب، الذي تخلى في ولايته الأولى عن الاتفاق النووي لعام 2015 الذي وقعته طهران مع القوى العالمية، وشدد العقوبات في إطار حملة “الضغط الأقصى”، إلى سياساته المتشددة.

لكن هناك أيضًا مؤشرات على أنه قد يكون مستعدًا للتفاوض، فقد كلف مبعوثه للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، باستكشاف إمكانية التوصل إلى تسوية دبلوماسية مع إيران، قائلاً الأسبوع الماضي: “سيكون من الجيد حقًا إذا أمكن حل [التوترات حول برنامج إيران النووي]”.

ويقول دبلوماسيون غربيون إن حكومة الرئيس الإصلاحي مسعود پزشكيان أظهرت خلال الأسابيع الماضية استعدادًا أكبر للتوصل إلى تسوية تفاوضية، بهدف تأمين تخفيف العقوبات وتخفيف الضغوط الاقتصادية الداخلية، وكذلك بسبب ضعف موقف إيران ورغبتها في تجنب مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

لكنهم يحذرون من أنه إذا فشلت هذه الجهود، فإن إيران ستكون في مسار تصادمي مع الغرب، فالقوى الأوروبية، التي عارضت حملة “الضغط الأقصى” لترامب خلال ولايته الأولى، أصبحت أكثر غضبًا من سلوك إيران، بما في ذلك استمرار توسعها النووي، وبيعها للأسلحة لروسيا، واتهامات باستهداف مواطنين في الغرب.

ويقول الدبلوماسيون إنهم يريدون أفعالًا، لا مجرد كلمات مع اقتراب إيران من تخصيب اليورانيوم بمستويات قريبة من الدرجة المستخدمة في صنع الأسلحة – وبدرجة لم تقترب منها من قبل لامتلاك القدرة على إنتاج قنابل نووية.

وتنص “بنود الغروب” في اتفاق 2015 على انتهاء القيود المفروضة على الأنشطة النووية الإيرانية في أكتوبر، مما سيؤدي فعليًا إلى إنهاء الاتفاق الذي بات في حالة احتضار.

مع اقتراب هذا الموعد، يكمن الخطر بالنسبة لإيران في أن القوى الغربية قد تلجأ إلى تفعيل ما يُعرف بآلية “سناب باك”، مما قد يؤدي إلى إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة وزيادة العزلة الدولية، في حال عدم التوصل إلى اتفاق بديل.

وبدأ الإصلاحيون داخل إيران، نقاشات علنية للضغط على المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، والحرس الثوري للنظر في خيار التفاوض، بحجة أن هذه قد تكون الفرصة الأخيرة للنظام لتجنب أزمة.

وقال حسين مرعشي، السياسي الإصلاحي البارز، خلال خطاب هذا الشهر: “لدى پزشكيان الفرصة لاتخاذ خطوات كبيرة لصالح إيران، ويجب أن تكون مهمته الأولى فتح فصل جديد في السياسة الخارجية. لم نعد نمتلك نفوذًا في لبنان أو سوريا أو العراق”.

لكن محللين إيرانيين يشيرون إلى أن طهران لا تريد أن تبدو وكأنها تتفاوض بدافع اليأس، وقال أحد أقارب خامنئي: “بينما نقاوم الضغوط الأمريكية، سنبعث أيضًا بإشارات تدل على استعدادنا للتفاوض. تعمل إيران على تقليل التصرفات التي قد تستفز واشنطن، حتى لو لم يتم التوصل إلى اتفاق في النهاية”.

وأقرّ قريب خامنئي بأن الهجمات الإسرائيلية على إيران، وما يُعرف بـ”محور المقاومة” الذي يضم جماعات مسلحة مدعومة من طهران مثل حزب الله وحماس، دفعت القادة الإيرانيين إلى إعادة تقييم تصورهم لقوة الجمهورية في الشرق الأوسط.

ولكن ترامب أظهر أيضًا عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته، فبعد أن أشار في البداية إلى أنه غير راغب في استخدام العمل العسكري، أمر في عام 2020 باغتيال قاسم سليماني، أقوى قائد في إيران، مما دفع الأعداء لفترة وجيزة إلى شفا الحرب.

وقال بعض الخبراء إن الضربات التي تلقاها المحور، والتي قللت من نفوذ إيران الإقليمي، قد تعني أن طهران ستكون أكثر استعدادًا لإبرام صفقة مع ترامب للحصول على ضمانات أمنية بعدم تعرضها لهجوم من قبل إسرائيل.

وتقول سنام فاكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط في تشاتام هاوس، إن طهران بحاجة إلى إغراء ترامب بالتوصل إلى صفقة بسرعة إذا كانت تريد تجنب المزيد من “الضغوط القصوى” الأمريكية وتهديد المزيد من الضربات الإسرائيلية.

وقالت: “بدون تقديم شيء أكبر، فإنهم يخاطرون بجولة ثالثة من الضربات من إسرائيل والتي ستدعمها هذه الإدارة الأمريكية” مضيفة “ما هو على المحك هو قابلية النظام للبقاء. الجدوى الاقتصادية للنظام وقدرته على إعادة تأهيل نفسه وبناء الشرعية مرة أخرى”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى