الموساد داخل إيران: هندسة التدمير من الداخل ونقلة في قواعد الاشتباك

في واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية تعقيدًا وخطورة منذ عقود، كشفت مصادر أمنية إسرائيلية عن تنفيذ جهاز “الموساد” ثلاث عمليات سرية متزامنة داخل العمق الإيراني، استهدفت منظومات صاروخية واستراتيجية تابعة للحرس الثوري، عبر تفعيل خلايا عمليات خاصة واستخدام أسلحة مهربة وتقنيات متطورة تم زرعها على الأرض الإيرانية.
وبحسب التسريبات المتطابقة فإن هذه العمليات، التي نُفّذت بالتوازي مع هجوم جوي إسرائيلي، تعكس تحولًا كبيرًا في منهجية الاشتباك بين تل أبيب وطهران، وتنذر بتصعيد ميداني غير مسبوق.
بين المعلومات والميدان: كيف خطط الموساد للهجوم؟
وفقًا لتسريبات نشرتها صحيفة “إنتلي نيوز” العبرية، فإن العملية لم تكن ارتجالية أو خاطفة، بل نتاج عمل استخباراتي طويل بدأ بجمع معلومات دقيقة عن تحركات كبار المسؤولين الأمنيين والعلماء النوويين الإيرانيين.
وشملت هذه المعلومات خرائط انتشار أنظمة الدفاع الجوي، مواقع القواعد الصاروخية، وبُنى الاتصالات التي تربط المنظومات الاستراتيجية ببعضها البعض.
الموساد، وفق المصدر، استخدم تقنيات متقدمة وأسلحة خاصة جرى تهريبها مسبقًا إلى الأراضي الإيرانية على نطاق واسع، حيث تم نشرها في نقاط استراتيجية ضمن عملية توزيع دقيقة، لتكون جاهزة للتفعيل في اللحظة الحاسمة.
العملية الأولى: تفكيك منظومات الدفاع الجوي من الداخل
في وسط إيران، تمكّنت خلايا كوماندوز تابعة للموساد من زرع أنظمة توجيه وتشغيل خاصة لصواريخ دقيقة في مناطق مفتوحة مجاورة لمواقع الدفاع الجوي الإيراني، تحديدًا أنظمة أرض-جو (سام).
ومع انطلاق الهجوم الجوي الإسرائيلي، بدأت هذه الأنظمة الداخلية بإطلاق دفعات من الصواريخ بالتزامن مع ضربات سلاح الجو، ما أسفر عن شلل فعلي في قدرات الدفاع الجوي الإيراني، ومكّن الطائرات الإسرائيلية من التحليق وتنفيذ ضرباتها دون مقاومة فعالة.
العملية الثانية: اختراق متنقل عبر المركبات
في الحملة الثانية، لجأ الموساد إلى أسلوب هجومي مختلف، إذ قام بزرع أنظمة وتقنيات هجومية في مركبات مدنية داخل إيران، في ما يشبه “ألغامًا متحركة” قابلة للتفعيل عن بعد.
ومع بدء الهجوم المفاجئ، تم تفعيل هذه الأنظمة، التي أطلقت أسلحتها مباشرة نحو أهداف الدفاع الجوي المتبقية، ما أدى إلى تدمير شامل للقدرات الإيرانية في المواقع المستهدفة.
تكمن خطورة هذا النموذج في أنه يعتمد على عناصر غير مرئية، يمكنها التنقل واختراق المدن والبنية التحتية من دون أن تُكشف، ما يجعل من عمليات الرصد المسبق شبه مستحيلة بالنسبة للسلطات الإيرانية.
العملية الثالثة: الطائرات المسيّرة في قلب إيران
أما الحملة الثالثة، فتمثّل نقلة نوعية في قدرة إسرائيل على التوغل داخل العمق الإيراني. إذ تم إنشاء قاعدة سرية لتخزين وتشغيل طائرات مسيرة مفخخة، تم تهريبها إلى إيران في وقت سابق من العملية.
وخلال الهجوم، تم إطلاق هذه الطائرات من الداخل الإيراني نحو منصات إطلاق صواريخ أرض-أرض في قاعدة أشفق آبادس
الاستهداف المباشر لهذه القاعدة عبر طائرات تُدار من داخل إيران، يشير إلى أن إسرائيل لم تعد تكتفي بضرب “الأذرع الخارجية” لإيران، بل باتت تخترق العمق الاستراتيجي للدولة، وتوجّه ضرباتها إلى البنية التحتية العسكرية المركزية.
أبعاد سياسية وعسكرية: ما وراء العمليات
هذه العمليات الثلاث لا تعكس فقط تطورًا في القدرة التقنية والاستخبارية للموساد، بل تحمل أيضًا أبعادًا سياسية وعسكرية بالغة الأهمية:
تحول في قواعد الاشتباك، وضرب الثقة داخل النظام الإيراني، وتعقيد أي رد إيراني بحيث إذا ما قررت طهران الرد، فهي مضطرة إما إلى المجازفة بتوسيع الصراع إلى حرب إقليمية مفتوحة، أو القبول بالهجوم الصامت دون رد مباشر، ما يُضعف هيبتها أمام حلفائها وأعدائها في آن معًا.
خطر التصعيد… من الصمت إلى الانفجار
رغم أن إيران لم تعلن رسميًا عن تفاصيل الهجوم أو ترد عليه عسكريًا بشكل واضح، إلا أن التصعيد الحاصل ينذر بإمكانية فتح جبهات متعددة — من العراق إلى سوريا إلى البحر الأحمر.
وما لم تُضبط حدود الاشتباك، فإن العمليات من هذا النوع قد تجر المنطقة إلى دائرة من الفوضى لا يمكن احتواؤها، خاصة إذا ما ردت طهران عبر هجمات إلكترونية أو عمليات انتقامية في الخارج.
وتكشف العمليات التي نفذها الموساد في الداخل الإيراني أن الصراع بين تل أبيب وطهران دخل مرحلة أكثر جرأة وتعقيدًا.
فإسرائيل، التي طالما اعتمدت على ضربات استباقية من خارج الحدود، انتقلت إلى مرحلة الهجوم من الداخل، عبر زراعة أدواتها في قلب الدولة الإيرانية. هذه المقاربة الجديدة لا تعني فقط تصعيدًا عسكريًا، بل تحمل تداعيات استراتيجية عميقة، قد تغير طبيعة المواجهة في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
فما حدث لم يكن مجرد “عملية استخباراتية”، بل فصلٌ جديد من صراع الظل… كُتب بالدم والنار، ومرشحٌ للتمدد.















