الكويت تسحب جنسية 57 شخصًا في إطار حملة أمنية مثيرة للجدل

أصدرت السلطات الكويتية قراراً بسحب جنسية 57 شخصًا، بينهم عدد من الحالات البارزة التي كانت قد حصلت على الجنسية ضمن بند “الأعمال الجليلة”، وهو ما أثار تساؤلات حول خلفيات القرار وتوقيته وأبعاده القانونية والسياسية.
ومن بين المسحوبة جنسياتهم حسن حمدان الشمري وزيد سالم الحربي، وهما عنصران سابقان في الحرس الأميري الكويتي، تعرضا لإصابات خطيرة خلال محاولة اغتيال فاشلة لأمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح عام 1985، وهي المحاولة التي وُجهت فيها أصابع الاتهام إلى عناصر مرتبطة بإيران، في سياق التوترات الإقليمية أثناء الحرب العراقية–الإيرانية.
وبحسب المعلومات، فقد تم منح الشمري والحربي الجنسية الكويتية في عام 2005 تكريماً لدورهما وتضحياتهما، وذلك بموجب المادة السابعة من قانون الجنسية الكويتي التي تتيح منح الجنسية لمن قدّم خدمات جليلة للدولة. ومع ذلك، يبدو أن القرار الأخير قد تجاهل تلك الخلفية، ما أثار استغراباً لدى عديد من المتابعين.
دوافع رسمية غامضة
السلطات الكويتية لم توضح بشكل تفصيلي أسباب هذا الإجراء الجماعي، مكتفيةً بالإشارة إلى “مراجعة شاملة” لملفات التجنيس والتحقق من مطابقتها للمعايير القانونية.
وتشير تقارير محلية إلى أن حملة المراجعة تهدف إلى “تصحيح الوضع القانوني لبعض المجنسين”، في ظل ما يُعتقد أنه تراكم لملفات تم منح الجنسية فيها بصورة استثنائية أو بناء على معلومات لم يتم التثبت منها بدقة في الماضي.
ويُعتقد أن القرار يأتي ضمن سياسة حكومية أكثر تشدداً في التعامل مع ملف الجنسية، وهو ملف حساس في الكويت نظرًا لارتباطه الوثيق بالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك الحق في التوظيف الحكومي والتعليم والرعاية الصحية والإسكان.
ردود فعل وانتقادات
الخطوة أثارت انتقادات من جهات حقوقية ونشطاء سياسيين، رأوا في القرار مساسًا بحقوق مكتسبة، واعتبروا أن سحب الجنسية، خاصة في حالات مر عليها عقود، يمثل عقوبة جماعية دون محاكمة علنية أو مسار قضائي نزيه.
وقالت مصادر حقوقية إن القانون الكويتي يمنح وزير الداخلية سلطة سحب الجنسية بقرار إداري، ما يجعل آلاف المجنسين عرضة لاحتمال فقدان الجنسية دون توافر ضمانات قانونية كافية. وطالبت هذه الجهات بضرورة تعديل القوانين لمنع استخدام سحب الجنسية كأداة للضغط أو الانتقام السياسي أو الاجتماعي.
وفي تغريدات انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، عبّر بعض الكويتيين عن صدمتهم من سحب جنسية من يُعتبرون أبطالاً سابقين في صفوف الحرس الأميري، معتبرين ذلك “تنكراً للتضحيات الوطنية”، فيما تساءل آخرون عن المعايير التي يتم وفقها الاحتفاظ بالجنسية أو إسقاطها.
خلفيات سياسية وأمنية؟
توقيت القرار أثار الكثير من علامات الاستفهام، إذ يتزامن مع أجواء إقليمية متوترة، وتوترات داخلية تتعلق بالنقاش حول حقوق فئة البدون، ومطالبات بإصلاحات سياسية وقانونية أوسع في البلاد.
ويرى بعض المراقبين أن قرار سحب الجنسية قد يكون جزءًا من محاولة حكومية لإعادة ضبط المشهد الديمغرافي والسياسي، خصوصاً مع تصاعد الأصوات المعارضة وسيطرة بعض التيارات الإسلامية أو القبلية على مواقع في البرلمان.
كما يُنظر إلى القرار في سياق أوسع من التحولات التي تشهدها دول الخليج في إدارتها لملفات الهوية والمواطنة، حيث باتت العديد من الدول تتبنى معايير أكثر تشددًا في ملفات الجنسية، إما لأسباب أمنية أو سياسية أو ديمغرافية.
مطالب بإصلاح تشريعي
في ظل هذه التطورات، تتعالى الأصوات المطالبة بإعادة النظر في صلاحيات سحب الجنسية، بحيث لا تكون أداة بيد السلطة التنفيذية دون رقابة قضائية واضحة. ويطالب الحقوقيون بضرورة تقنين الإجراءات وربطها بمبادئ العدالة والشفافية، وتوفير حق الاعتراض أمام القضاء.
ويدعو بعض النواب والناشطين إلى إنشاء هيئة مستقلة لمراجعة ملفات الجنسية، وإيجاد آليات واضحة لمعالجة أي تجاوزات أو أخطاء وقعت في الماضي، دون المساس بحقوق الأفراد الذين عاشوا كمواطنين لعقود وأسسوا حياتهم وأسرهم على أساس ذلك الوضع.
وتمثل حملة سحب الجنسية الأخيرة في الكويت نقطة مفصلية في العلاقة بين المواطن والدولة، وتعيد فتح ملف معقد طالما ظل مسكوتًا عنه.
وبينما تدافع الحكومة عن حقها في مراجعة ملفات التجنيس، تطالب أصوات واسعة بضمان حقوق الإنسان وحماية من اكتسبوا الجنسية بطرق قانونية، وخاصة من ضحّوا بأنفسهم دفاعًا عن الكويت. وبين التبرير الأمني والتحذير الحقوقي، يظل الملف مفتوحًا على احتمالات سياسية واجتماعية لا يمكن التنبؤ بمآلاتها بعد.















