السعودية تدفع لزيادة حصة الأفراد في الاكتتابات في محاولة إنعاش للسيولة

تتحرك هيئة السوق المالية في السعودية (CMA) خلف الكواليس لدفع الشركات المُقبلة على الطرح العام إلى رفع الشريحة المخصصة للمستثمرين الأفراد إلى نحو 30% من الأسهم المعروضة، في تحول عن النسب المعتادة (10% غالبًا، و20% في بعض الطروحات)، وذلك ضمن حزمة أوسع لإنعاش السيولة وإعادة جذب المتعاملين للسوق بعد فترة تباطؤ ملحوظة في أحجام التداول.
وبحسب مصادر مطّلعة نقلت عنها وكالة بلومبيرغ، فإن الطلبات “غير رسمية” حتى الآن ولا يستند إليها نص تنظيمي مُلزم، ما يمنح الشركات والمستشارين الماليين هامشًا للتقدير، لكنه في الوقت نفسه يرسل إشارة قوية إلى حيث تريد الجهة المنظمة أن تتجه بوصلة السوق.
وذكرت الوكالة أن الفكرة بحد ذاتها ليست سابقة سعودية؛ فقد خصصت مجموعة تداول السعودية في طرحها عام 2021 نسبة 30% من أسهمها للأفراد، و70% للمؤسسات، في توزيع استُخدم حينها كمرجعٍ على قابلية السوق لاستيعاب حصة أكبر من “القطاع العائلي” من دون الإخلال بآليات التسعير المؤسسية.
لكن تعميم هذه النسبة على نطاق أوسع يبدّل معادلة الاكتتابات: زيادة عرض الأسهم المتاحة للأفراد تعني نظريًا تداولًا أكثر نشاطًا بعد الإدراج، وانخفاضًا في احتمالات شُحّ السهم المُدرج، وهو مطلب للأفراد الذين اشتكوا في طروحات حديثة من “تفويت” مكاسب الأيام الأولى.
والهدف المباشر هو السيولة، حيث شهدت السوق هذا العام تراجعًا في نشاط التداول مقارنة بطفرة 2021–2022، قبل أن تُسجّل الأسابيع الأخيرة انتعاشًا مدعومًا بتوقعات إصلاحات هيكلية، منها احتمالات فتح التملك الأجنبي بما يتجاوز سقف 49% وإلغاء شرط التسجيل المسبق كمستثمر أجنبي مؤهل (QFI).
وانعكست هذه التوقعات قفزةً لافتة في المؤشر العام (تاسي) أواخر سبتمبر، مع حديث عن تدفقات “ساكنة” قد تتجاوز مليارات الدولارات إذا رُفع القيد، ما يوضح أن الأجهزة التنظيمية تراهن على مسارين متوازيين: توسيع قاعدة الأفراد محليًا، وتخفيف قيود عبور رؤوس الأموال الأجنبية.
تحديات ومخاوف
لكن “توسيع الكعكة” لا يجري بلا حسابات دقيقة. فمديرو الأموال العالميون—وهم ركيزة تسعير عالية الانضباط عبر بناء دفاتر أوامر مؤسسية—يخشون تقلّص حصصهم إذا ارتفع مخصص الأفراد بصورة واسعة.
في سوقٍ تسعى لرفع وزنها في مؤشرات MSCI وFTSE، قد يؤدي انكماش الشريحة المؤسسية في الطروحات الكبيرة إلى تقليص جدوى العناية الواجبة التي تقوم بها الصناديق العالمية، وإلى ضغط على عملية التسعير نفسها التي تعتمد مقارنة صارمة مع نظراء عالميين وشهيةٍ مدروسة للمخاطر.
بمعنى آخر: زيادة مشاركة الأفراد تزيد الدوران بعد الإدراج، لكنها قد تُضعف، إذا أُسيء ضبطها، “صلابة” تسعير الاكتتاب المبني على مستثمرين طويلِي الأجل.
ومن زاوية المتعاملين المحليين، تبدو الرسالة مرحّبًا بها. فالأفراد شكلوا أكثر من خمس أوامر البيع والشراء في سبتمبر، وباتوا ثاني أكبر مصدر للسيولة بعد المستثمرين الأجانب المؤهلين. رفع مخصصاتهم يعالج إحباطًا متكررًا ظهر في موجات الاكتتاب الأخيرة حيث لم يحصل كثيرون إلا على حصص رمزية.
غير أن حجم المشاركة الفردية يتأثر أيضًا بمتغيرات أخرى: مستوى التسعير النهائي، وتقييم النمو، وأداء الطروحات السابقة، والسيولة المتاحة من القروض والهامش، ما يعني أن رفع النسبة وحده لا يضمن ارتدادًا مستدامًا في أحجام التداول ما لم تترافق الخطوة مع مسار إدراجات نوعية وتواصل إفصاحي أقوى.
وعلى المقلب التنظيمي، تتسارع إجراءات “تحرير” السوق ضمن رؤية متكاملة: مشاورات لفتح السوق الرئيسة أمام جميع المستثمرين الأجانب (بدل قيد QFI)، وإشارات إلى مراجعة حدود الملكية، وخطوات تكتيكية على صعيد رسوم ومنتجات الدين والصناديق.
والهدف النهائي—بحسب مسؤولين وتقارير—هو بناء سوق أعمق سيولة وأوسع قاعدة مستثمرين، بحيث تتقاطع “جاذبية الحكاية السعودية” مع انضباط مؤسسي عالمي. لكن التحدي تقني بامتياز: كيف تُرفع مساهمة الأفراد من دون خسارة عنصر تسعير المؤسسات؟ وكيف تُحفظ جودة الاكتتابات (book quality) إذا تراجعت حصص الصناديق التراكمية؟
ويرى مراقبون أن زيادة مخصص الأفراد رفعت تقليديًا نشاط ما بعد الإدراج، لكنها ارتبطت أحيانًا بتذبذب أعلى عندما لا تتوازن الكفة بمستثمرين مرجعيين طويلِي الأجل. في المقابل، حدَّت المخصصات الضيقة للأفراد من “صوت” المستثمر المحلي وخلقت شعورًا بالإقصاء عن جزءٍ معتبر من مكاسب الطروحات.
لذلك يبدو أن الهيئة تختبر الآن “نقطة وسط” أقرب إلى نموذج تداول 2021 (30% أفراد) الذي اعتُبر ناجحًا وقتها، على أمل أن يترجم إلى عمق سيولة أفضل في سوق شهدت فترات ضعف معنويات وهبوطًا لأسعار بعض الإدراجات الجديدة خلال 2025.















