بلومبيرغ: تحديات روسيا في سوق الطاقة العالمي تخدم زيادة حصة دول الخليج

تواجه روسيا تحديًا جديدًا في سوق الطاقة العالمي مع بدء شركات التكرير الصينية الكبرى تقليص وارداتها من النفط الروسي، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط الغربية والعقوبات المفروضة على موسكو وشركائها التجاريين.
وأبرزت وكالة بلومبيرغ أن هذا التحول يفتح الباب أمام دول الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية والإمارات والكويت، لتعزيز حصتها في السوق الصينية، التي تُعد أكبر مستورد للنفط الخام في العالم.
وبحسب مصادر نقلتها بلومبيرغ، فإن شركات النفط الصينية العملاقة المملوكة للدولة — مثل سينوبك وبتروتشاينا — بدأت تحجم عن المشاركة في شراء الشحنات الروسية، بعد أن ألغت بعض العقود خلال الأسابيع الأخيرة عقب العقوبات الأمريكية الجديدة على شركتي “روسنفت” و”لوك أويل”.
كما أدرجت الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية شركات روسية وأخرى صينية تعمل معها ضمن قوائم العقوبات، ما أثار حالة من الحذر في أوساط الشركات الصينية.
ولا يقتصر هذا التراجع على الشركات الحكومية الكبرى؛ فحتى مصافي التكرير الخاصة الأصغر، المعروفة باسم “أباريق الشاي”، بدأت بالابتعاد عن التعامل مع النفط الروسي.
ويعود ذلك إلى المخاوف من التعرض للعقوبات الغربية، خصوصًا بعد أن أُدرجت شركة شاندونغ يولونغ للبتروكيماويات مؤخرًا في القائمة السوداء لكل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وبحسب تقديرات شركة ريستاد إنرجي الاستشارية، فإن هذا الإحجام الصيني أدى إلى تراجع حاد في الطلب على خام “إسبو” الروسي (ESPO)، الذي كان يحظى بشعبية كبيرة لدى المصافي الصينية.
وتشير البيانات إلى أن نحو 400 ألف برميل يوميًا — أي ما يعادل 45% من إجمالي واردات الصين من النفط الروسي — تأثرت بشكل مباشر جراء إضراب المشترين.
وتُعد هذه التطورات ضربة قوية لروسيا التي رسخت خلال العامين الماضيين موقعها كأكبر مورد للنفط إلى الصين، بفضل الخصومات الكبيرة التي تقدمها موسكو نتيجة العقوبات الغربية المفروضة عليها منذ غزو أوكرانيا عام 2022.
لكن تشديد العقوبات الغربية مؤخرًا، الذي استهدف ليس فقط المنتجين الروس بل أيضًا الشركات والوسطاء الذين يسهلون عمليات البيع والنقل والتأمين، بدأ يعقّد قدرة موسكو على تصدير الخام إلى الأسواق الآسيوية.
وتهدف الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى خنق عائدات موسكو النفطية في محاولة لحرمانها من مصادر التمويل الأساسية للحرب في أوكرانيا. ومن هذا المنطلق، فإن تراجع الصادرات الروسية إلى الصين يمثل نجاحًا نسبيًا في تطبيق استراتيجية الضغط الاقتصادي، وإن كان مؤقتًا.
وبالنسبة لبكين، يُعد هذا التراجع فرصة لإعادة تنويع مصادر التوريد وتعزيز علاقاتها مع موردي النفط من الخليج العربي. فالصين تعتمد على استيراد أكثر من 70% من احتياجاتها النفطية من الخارج، وتشكل دول مجلس التعاون الخليجي — خصوصًا السعودية والإمارات وسلطنة عمان — ركيزة أساسية في هذا الإمداد.
ومع انكماش الإمدادات الروسية، قد تجد هذه الدول فرصة لتوسيع حصتها في السوق الصينية، مستفيدة من علاقاتها التجارية المستقرة ومرونتها في التسعير والإمداد.
وفي هذا السياق، تُشير مصادر صناعية إلى أن شركات خليجية كبرى مثل أرامكو السعودية وأدنوك الإماراتية تراقب التطورات عن كثب، وقد تتحرك سريعًا لتعويض أي نقص في الإمدادات الروسية، خاصة أن النفط الخليجي يتمتع بقبول واسع لدى المصافي الصينية من حيث الجودة والتنوع وسهولة النقل عبر المسارات الآمنة في بحر العرب والمحيط الهندي.
في المقابل، لا يبدو أن موسكو ستتخلى بسهولة عن السوق الصينية. فشركة يولونغ المدرجة في القائمة السوداء، على سبيل المثال، واصلت شراء النفط الروسي رغم العقوبات، بسبب قلة البدائل المتاحة أمامها. غير أن هذا الاتجاه يبقى محدود النطاق مقارنة بالشركات الكبرى التي تخشى تبعات التعامل مع موسكو في الوقت الراهن.
وفي الوقت نفسه، تواجه المصافي الصينية الخاصة قيودًا إضافية تتعلق بنظام الحصص الحكومية لاستيراد النفط الخام، والذي تم تقليصه في العام الجاري، إلى جانب التغييرات الضريبية التي حدّت من استخدام المواد الخام البديلة.
وقد تجعل هذه العوامل مجتمعة من الصعب على الشركات الصينية زيادة وارداتها من النفط الروسي حتى لو أرادت الالتفاف على العقوبات.
أما على الصعيد السياسي، فقد زاد الاجتماع الأخير بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ من حالة الغموض في المشهد الطاقوي.
فبينما نجح اللقاء في إرساء هدنة تجارية تاريخية شملت سلعًا مثل أشباه الموصلات والمعادن النادرة وفول الصويا، لم يتطرق الجانبان في بياناتهما الرسمية إلى ملف النفط الروسي، ما أبقى الباب مفتوحًا أمام التكهنات بشأن مستقبل هذا الملف.
في المحصلة، يبدو أن الفرصة تتسع أمام نفط الخليج لملء الفراغ الذي يخلّفه تراجع النفط الروسي في الصين، وسط إعادة رسم لخريطة الطاقة العالمية بفعل العقوبات والحسابات الجيوسياسية.
ومع استمرار الضغوط الغربية على موسكو، قد تجد الرياض وأبوظبي والكويت في السوق الصينية منفذًا استراتيجيًا لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا، بينما تكافح روسيا للحفاظ على موطئ قدمها في أكبر سوق استهلاكية للطاقة في العالم.















