ترامب يختبر رهاناته الكبرى في الخليج: بين شهوة الصفقات وفوضى الإقليم

في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا، تأتي زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى منطقة الخليج، حاملاً أجندة مزدوجة: تطلعات اقتصادية عملاقة، وهواجس أمنية تفرضها أزمات متشابكة من غزة إلى باب المندب، ومن مضيق هرمز إلى كشمير.

وبحسب تحليل أصدره البيت الخليجي للدراسات والنشر، فإن اختيار السعودية كنقطة انطلاق لجولة ترامب الخليجية لم يكن محض صدفة. فبالنسبة لرجل الأعمال الذي يخوض معركته السياسية عبر الاقتصاد، تمثل الرياض بوابة إلزامية لتحقيق رهاناته الاستثمارية الطموحة، التي يسعى أن تصل إلى تريليونات الدولارات.

صفقة صواريخ AIM-120C-8 بقيمة 3.5 مليار دولار، ضمن حزمة تسليحية تتجاوز 100 مليار، تعكس بوضوح هذا النهج: التحالفات تُقاس بالأرقام لا بالوعود، والولاء السياسي يُترجم إلى عقود دفاعية وتدفقات مالية.

غير أن هذه المقاربة الاقتصادية الصرفة تتقاطع مع حسابات سعودية أكثر تعقيداً. فالمملكة، التي تنتهج سياسة خارجية أكثر استقلالية في إطار “رؤية 2030″، تدرك أن استثماراتها الاستراتيجية يجب أن تخدم مصالحها السيادية، لا أن تكون رهينة أجندات واشنطن المتقلبة.

صفقات بلا شروط… لكنها ليست بلا أثمان

ما يميز تعاطي ترامب مع الخليج هو التخلي عن الاشتراطات السياسية المعقدة التي تبنتها إدارة بايدن، لا سيما ما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل أو تقييد التعاون مع الصين. لكنه، في المقابل، يعوّل على إغراءات اقتصادية هائلة، يروج لها باعتبارها حلاً سحرياً لاقتصاد أمريكي يعاني من تحديات داخلية وخارجية.

السعودية، ومعها الإمارات وقطر، تجد في هذه البراغماتية مساحة للمناورة. لكنها في ذات الوقت تدرك أن نهج “الصفقات أولاً” قد يجرها إلى التزامات قصيرة الأمد تتناقض مع طموحاتها بعيدة المدى في بناء نموذج تنموي مستدام ومستقل.

تعقيدات الإقليم: عندما تصطدم الصفقات بالحقائق الجيوسياسية

رغم التركيز الإعلامي على البُعد الاقتصادي للجولة، إلا أن الأزمات الإقليمية تفرض نفسها كعوامل حاكمة لمسار العلاقات الخليجية الأمريكية.

الحرب في غزة، التي دخلت عامها الثاني، تشكل اختباراً حقيقياً لمصداقية أي مسعى أمريكي لإعادة إحياء مسار التسوية.

تعنت الحكومة الإسرائيلية يقوض فرص نجاح مشروع “الاتفاقيات الإبراهيمية”، الذي يعوّل عليه ترامب لتوسيع دائرة التطبيع.

هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية رغم تفاهمات غير معلنة بوساطة عمانية، تذكّر بأن الملفات الأمنية لا يمكن إدارتها بالصفقات وحدها.

الملف الإيراني النووي، ومعه أذرع طهران في سوريا ولبنان والعراق، يظل قنبلة موقوتة قد تعصف بأي ترتيبات أمنية في الخليج.

متغيرات دولية تزيد الحسابات تعقيداً

لا يقتصر التحدي على محيط الخليج. التوتر الهندي-الباكستاني المتصاعد يهدد بفتح جبهة جديدة غير محسوبة العواقب. وأي انفجار للصراع بين القوتين النوويتين سينعكس مباشرة على أمن الممرات البحرية في المحيط الهندي، وسيضرب استقرار اقتصادات الخليج التي تعتمد على هذه الشرايين الحيوية.

وإذا كانت السعودية تمثل مفتاحاً اقتصادياً وعسكرياً لرهانات ترامب، فإن الإمارات تُعد شريكاً محورياً في الملفات التكنولوجية والأمنية، وقطر تحتفظ بمكانة خاصة كوسيط فاعل في النزاعات الإقليمية.

لكن، وعلى غرار الرياض، تتعامل أبوظبي والدوحة مع الأجندة الترامبية بواقعية حذرة. فهما تدركان أن واشنطن، في ظل الانقسامات الداخلية وضغوطات المنافسة مع الصين وروسيا، قد لا تكون قادرة على تقديم ضمانات استراتيجية حقيقية تتجاوز لغة الصفقات.

إلى أين تتجه الأمور؟

زيارة ترامب إلى الخليج ليست مجرد بروتوكول سياسي. إنها اختبار حقيقي لمعادلة دقيقة: كيف يمكن تحقيق التوازن بين تطلعات اقتصادية أمريكية ضاغطة، ومصالح خليجية تسعى لبناء استقلالية استراتيجية في بيئة دولية شديدة التعقيد؟
ونجاح الجولة سيعتمد على قدرة الطرفين في إيجاد قواسم مشتركة بين منطق “الصفقات العاجلة” ومنطق “الشراكات المستدامة”. أما الفشل، فسيترك المنطقة عرضة لمزيد من التوترات، وسيعمّق الفجوة بين الرؤى الأمريكية والخليجية لمستقبل الأمن والاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى