إسرائيل تخشى أن تبني تركيا قوة عسكرية في سوريا

تكشف الضربات الإسرائيلية الأخيرة في سوريا عن تصاعد القلق داخل تل أبيب من الدور التركي المتنامي، وسط مخاوف من أن يؤدي انخراط أنقرة في بناء قدرات عسكرية سورية جديدة إلى تقليص هامش الحركة الذي تمتعت به إسرائيل طوال السنوات الماضية، وفتح الطريق أمام احتكاك مباشر بين الجيشين التركي والإسرائيلي.

وبحسب صحيفة معاريف الإسرائيلية، لم تعد المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل مقتصرة على مواقع عسكرية أو منشآت محددة داخل الأراضي السورية، بل باتت مرتبطة بتحول أوسع في ميزان القوى، مع تراجع النفوذين الإيراني والروسي وظهور تركيا بوصفها القوة الخارجية الأكثر قدرة على التأثير في مستقبل سوريا وبناء مؤسساتها العسكرية.

وتنظر تل أبيب إلى هذا التحول بقلق متزايد، إذ إن الفراغ الذي خلفه تراجع القوى الأخرى لا تملؤه جماعة مسلحة أو قوة محدودة الإمكانات، بل دولة إقليمية تمتلك جيشاً كبيراً، وعضوية في حلف شمال الأطلسي، وعلاقات مباشرة مع دمشق وواشنطن في آن واحد.

وتتمحور إحدى نقاط التوتر حول قاعدة أبو الظهور، التي استهدفتها إسرائيل رغم عدم وجود قوات تركية فيها وقت الضربة. وتعكس هذه الخطوة، وفق القراءة الإسرائيلية، رغبة في ضرب البنية التحتية العسكرية قبل أن تتحول إلى موقع يمكن لأنقرة نشر جنود أو رادارات أو منظومات دفاع جوي فيه.

وتدرك إسرائيل أن الحسابات ستصبح أكثر تعقيداً إذا أصبح الجنود الأتراك موجودين فعلياً في المواقع التي تريد استهدافها مستقبلاً؛ إذ إن أي ضربة قد تؤدي إلى مقتل عسكريين أتراك، وهو ما ينقل المواجهة من استهداف منشأة سورية إلى احتمال صدام مباشر مع جيش دولة عضو في الناتو.

وفي المقابل، كشفت الأزمة عن تباين واضح بين الرواية الإسرائيلية والتقديرات الأميركية. فقد شكك المبعوث الأميركي توم باراك في مبررات الضربة، وقال إن واشنطن لم تكن مقتنعة بوجود أدلة كافية على أن تركيا كانت تستعد لنشر قوات أو إقامة وجود عسكري دائم في قاعدة أبو الظهور، كما طرح احتمال أن تكون العملية نتيجة خلل في التنسيق داخل إسرائيل أو محاولة لاستدراج أنقرة إلى رد يوسع دائرة المواجهة.

ونقلت مصادر وتقارير أن القاعدة كانت قد استقبلت زيارة لمسؤولين أتراك في إطار التعاون العسكري والتدريب مع دمشق، لكن الحكومة السورية نفت وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية دائمة أو نشر قوات تركية فيها.

وقال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن الموقع كان خالياً إلى حد كبير، وإن دمشق أبلغت إسرائيل بعدم وجود نية لتغيير سيادة القاعدة أو تحويلها إلى منشأة عسكرية تركية.

ورد وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس على التشكيك الأميركي بالدفاع عن العملية، مؤكداً أن الضربة جاءت بناء على توصيات عسكرية ومعلومات استخباراتية وتحذيرات سابقة للجانب السوري.

غير أن التناقض بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي كشف أن تل أبيب تواجه صعوبة في إقناع حتى حليفتها الأقرب بأن الوجود التركي المحتمل في سوريا يشكل تهديداً عسكرياً وشيكاً يبرر الضربات الاستباقية.

وتكمن المشكلة الإسرائيلية الأعمق في أن سوريا تشهد إعادة رسم لخريطة النفوذ الخارجي. فتراجع الدور الإيراني، وانحسار النفوذ الروسي مقارنة بالسنوات السابقة، أفسحا المجال أمام تركيا لتوسيع حضورها السياسي والعسكري وعلاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة.

ولا تتعامل إسرائيل مع هذا التحول باعتباره مجرد تعاون بين دولتين متجاورتين، بل تنظر إليه باعتباره احتمالاً لإعادة بناء مؤسسة عسكرية سورية بدعم من قوة إقليمية كبيرة تمتلك خبرات عسكرية وصناعات دفاعية وطائرات مسيرة ومنظومات متنوعة.

ووفقاً للتقارير، وقعت تركيا وسوريا اتفاقاً للتعاون العسكري خلال عام 2025، يشمل التدريب وتبادل الخبرات وتوفير معدات، في وقت أصبحت فيه أنقرة من أبرز داعمي دمشق الجديدة.

ويثير هذا التطور مخاوف إسرائيلية من أن تتحول سوريا تدريجياً من ساحة مفتوحة أمام الغارات الإسرائيلية إلى دولة تمتلك قدرات أكبر على حماية أجوائها ومنشآتها العسكرية.

ولهذا لا تبدو خشية تل أبيب مرتبطة بقاعدة أبو الظهور وحدها، بل بما قد تمثله القاعدة مستقبلاً. فإذا وصلت إليها منظومات رادار أو دفاع جوي، أو أصبحت جزءاً من شبكة تعاون عسكري تركي-سوري أوسع، فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام واقع مختلف تماماً عن السنوات التي كانت تنفذ خلالها ضربات متكررة في سوريا مع محدودية مخاطر الرد.

ويبدو أن التحدي الإسرائيلي انتقل من المستوى العسكري إلى المستوى السياسي والاستراتيجي. فإسرائيل تدرك أن منع أي تعاون عسكري بين دمشق وأنقرة بالقوة قد يقود في النهاية إلى صدام مباشر لا ترغب فيه الأطراف الثلاثة.

ولهذا تعمل واشنطن على الدفع نحو آلية لتجنب الاحتكاك وتبادل المعلومات بين إسرائيل وتركيا وسوريا، في محاولة لمنع تحول الضربات الجوية أو التحركات العسكرية إلى مواجهة مفتوحة.

لكن المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل أن تركيا ليست قوة يمكن التعامل معها كما تعاملت تل أبيب سابقاً مع الجماعات المسلحة أو الوجود الإيراني في سوريا. فوجود عسكري تركي مباشر يفرض حسابات مختلفة، وأي إصابة لجنود أتراك قد تفتح أزمة بين دولتين تمتلكان قوتين عسكريتين كبيرتين.

وتكشف الضربة على أبو الظهور أن إسرائيل تريد رسم خطوط حمراء مسبقة أمام أنقرة ودمشق: تحديد المناطق التي يمكن لتركيا أن تنشط فيها، ونوعية القدرات العسكرية التي يمكن نشرها، والحدود التي تعتبرها تل أبيب تهديداً مباشراً.

لكن تركيا وسوريا ترفضان عملياً منح إسرائيل حق تحديد شكل التعاون العسكري بينهما، بينما تصف أنقرة الضربات الإسرائيلية بأنها استهداف للاستقرار والسيادة السورية.

وفي المحصلة، تجد إسرائيل نفسها أمام سوريا مختلفة عن تلك التي اعتادت التعامل معها. فالخطر من وجهة النظر الإسرائيلية لم يعد فقط في ظهور قوة معادية جديدة، بل في احتمال أن تصبح تركيا نفسها الضامن العسكري الأهم لسوريا الجديدة.

وهنا تكمن المفارقة التي تخشاها تل أبيب: قد يأتي يوم تستهدف فيه إسرائيل موقعاً سورياً فتجد نفسها أمام جنود أتراك ومنظومات تركية، وعندها لن يكون تدمير مدرج أو مستودع عسكري هو المشكلة، بل احتمال اندلاع أول مواجهة مباشرة بين الجيشين التركي والإسرائيلي على الأراضي السورية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى