الغارديان: كوميديون أمريكيون يتجاهلون انتهاكات السعودية “المال يجعلنا نغض الطرف”

ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن عدداً من أبرز نجوم الكوميديا الأمريكيين يواجهون انتقادات واسعة بسبب مشاركتهم في مهرجان الرياض الكوميدي الأول، رغم ما تصفه منظمات حقوقية وناشطون بـ”سجل السعودية المظلم” في مجال حقوق الإنسان وقمع حرية التعبير.
ويقام المهرجان، الذي تُروّج له السلطات السعودية باعتباره “أكبر مهرجان كوميدي في العالم”، في الفترة من 26 سبتمبر حتى 9 أكتوبر، ويضم أسماء لامعة مثل ديف شابيل، ولويس سي كيه، وبيل بور، وكيفن هارت، وويتني كامينغز، وبيت ديفيدسون، وعزيز أنصاري، وجو كوي، وغيرهم، وجميعهم يتقاضون أجورهم بشكل مباشر من الحكومة السعودية.

انتقادات حقوقية
أشارت الغارديان إلى أن منظمة “هيومن رايتس ووتش” وصفت المهرجان بأنه جزء من “محاولات النظام السعودي لتبييض انتهاكاته المروعة”.
وقال الباحث في المنظمة جوي شيا إن “هذا التلميع يأتي وسط تصعيد كبير في القمع، بما في ذلك استهداف حرية التعبير التي يدافع عنها هؤلاء الفنانون في الغرب، بينما يُحرم منها تماماً السعوديون”.
كما واجه الفنانون انتقادات من زملاء لهم. إذ شبّه الكوميديان مارك مارون في عرض على صفحته بفيسبوك، الأموال التي يحصل عليها زملاؤه من الرياض، بأنها أموال “ملطخة بدم جمال خاشقجي”، الصحفي الذي قُتل داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. أما ستافروس هالكياس فكشف أنه رفض عرضاً للمشاركة، قائلاً إنه “لا يستطيع تقبّل أموال من السعودية”.
دفاع ساخر عن المشاركة
في المقابل، قلل بعض المشاركين من أهمية الانتقادات. فقد صرّح الكوميديان جيم جيفريز بأن مقتل خاشقجي “أمر مؤسف، لكنه ليس القضية التي سأموت دفاعاً عنها”، مدافعاً عن مشاركته بالقول إن “من الأفضل أن تصل حرية التعبير إلى جمهور المملكة حتى ولو بشروط”.
أما الكوميديان الأمريكي تيم ديلون، فذهب أبعد من ذلك حين قال في بودكاست أدى إلى استبعاده من المهرجان: “وماذا في ذلك؟ لديهم عبيد؟ إنهم يدفعون لي ما يكفي لأغض الطرف”. وفي تعليق مشابه، أقرّ بيت ديفيدسون بأنه مستعد لتجاوز ذكرى والده، الذي قُتل في أحداث 11 سبتمبر، مقابل “المبلغ المناسب”.
وكشفت الصحيفة أن بعض الفنانين تلقوا عروضاً بمئات آلاف الدولارات، بل بملايين، مقابل المشاركة. ديلون نفسه قال إن المنظمين عرضوا عليه 375 ألف دولار، فيما حصل فنانون آخرون على عروض أكبر بكثير.
تراجع وانسحابات
ورغم الإغراءات المالية، قرر بعض الكوميديين الانسحاب. فقد أعلن نيميش باتيل عبر إنستغرام أنه رفض المشاركة رغم العرض “المُغرِي”، مفضلاً تقديم عشرات العروض داخل الولايات المتحدة لتعويض ما وصفه بـ”المال المسموم”.
كما غاب جيفريز نفسه لاحقاً عن البرنامج الرسمي بعد موجة الانتقادات، بينما كتب الكوميديان ديفيد كروس، نجم مسلسل التطوير المعتقل، رسالة مفتوحة شديدة اللهجة وصف فيها قبول العروض السعودية بأنه “خيانة للقيم الأساسية”، متسائلاً: “ألهذا الحد يبيع هؤلاء فنهم وضميرهم؟ من أجل منزل رابع؟ قارب؟ أو المزيد من الأحذية الرياضية؟”
وتؤكد الغارديان أن ما يثير الاستهجان هو أن العديد من هؤلاء الفنانين بنوا شهرتهم على الدفاع عن حرية التعبير ومهاجمة “ثقافة الإلغاء” في الغرب، لكنهم الآن يوافقون على فرض رقابة صارمة على أنفسهم في السعودية.
فقد كشفت الكوميدية أتسوكو أوكاتسوكا، التي رفضت عرض المهرجان، نسخة من العقد المقدم إليها، وتضمن بنداً بعنوان “قيود المحتوى”، يمنع أي مواد تنتقد المملكة أو قادتها أو نظامها أو ثقافتها. وهو ما يتناقض، بحسب الصحيفة، مع مواقف كوميديين تاريخيين مثل ليني بروس وجورج كارلين الذين ضحوا بحريتهم لمواجهة الرقابة الحكومية.
أموال طائلة… وازدواجية
ورغم أن المشاركين لا يواجهون أزمة مالية، إلا أنهم قبلوا بالأموال السعودية. فأسماء مثل شابيل، هارت، وبور من أصحاب الملايين الذين يبيعون آلاف التذاكر حول العالم. أما لويس سي كيه، فرغم تراجع دخله مؤخراً، فقد حقق أرباحاً تجاوزت 300 ألف دولار في عطلة نهاية أسبوع واحدة بواشنطن هذا الصيف.
وتُظهر سجلات أخرى أن بيت ديفيدسون حصل على 100 ألف دولار مقابل حفل جامعي في 2019، و130 ألفاً في عطلة نهاية أسبوع ببوفالو عام 2023، ما يضعف حجتهم بأنهم “بحاجة للمال”.
الصحيفة لفتت أيضاً إلى أن بعض هؤلاء الفنانين كانوا قد هاجموا السعودية سابقاً. فبيل بور قال عام 2016 إنه “لن يذهب إليها حتى لا يُقطع رأسه على يوتيوب”، فيما علّق الكوميديان ماز جبراني على إزالة نتفليكس حلقة ناقدة للمملكة بأنها “كان يجب أن تقف مع حرية التعبير”.
كما أن أندرو شولتز، أحد المشاركين، مازح مراراً بشأن مقتل خاشقجي وربط السعودية بهجمات 11 سبتمبر، وهاجم النظام باعتباره “استبدادياً مليئاً بالتمييز”.
رغم ذلك، عبّر بعض المشاركين عن انبهارهم بما وصفوه بـ”المعاملة الفاخرة” في السعودية. فالفنانة جيسيكا كيرسون، وهي كوميدية يهودية مثلية، قالت إنها مستعدة للتخلي عن أعمالها المرتبطة بالهوية اليهودية أو المثلية مقابل فرصة الأداء هناك، مشيدة بـ”الفنادق الفاخرة والخدمات المميزة”.
وختمت الغارديان تقريرها بالتأكيد على أن هؤلاء الفنانين، الذين يرفعون شعار حرية التعبير في الولايات المتحدة، لا يترددون في فرض رقابة على أنفسهم في السعودية مقابل الثمن المناسب، مضيفة أن الأمر يكشف عن ازدواجية فاضحة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية.















