تطويق مسلح لمقر مجلس النواب الليبي يعطل جلسة انتخاب رئاسة الهيئة

شهد المشهد السياسي في ليبيا تصاعداً جديداً داخل أروقة مجلس النواب، الذي يجلس في مدينة بنغازي، عقب تطويق مقر الهيئة من قبل قوة مسلحة موالية للقيادة العامة للجيش الوطني الليبي. جاء هذا الإجراء الأمني الحاسم لمنع انعقاد جلسة برلمانية كانت مقررة لمناقشة تعديل اللائحة الداخلية للمجلس وآليات تشكيل رئاسة الهيئة التشريعية، مما أثار جدلاً واسعاً حول شرعية الإجراءات المتخذة ومدى احترامها للأعراف البرلمانية.
وتأتي هذه الأحداث في ظل توترات متزايدة بين مختلف الفacciones السياسية والعسكرية في البلاد، حيث يُنظر إلى السيطرة على مقار المؤسسات الدستورية كأداة ضغط سياسي. وقد أدى التدخل الأمني المباشر إلى تعطيل العمل البرلماني الرسمي، مما يعكس عمق الانقسامات التي تشهدها الساحة الليبية حالياً وتؤثر على استقرار العملية السياسية الشاملة.
في سياق متصل، عقد مجلس النواب جلسة سابقة في الرابع عشر من شهر سبتمبر الماضي، برئاسة رئيس الهيئة عقيلة صالح، وخلالها أعلن المجلس اعتماد اتفاق لجنة الحوار المصغر المعروفة بـ«4+4» بالإجماع. إلا أن المعطيات المتعلقة بعدد النواب الذين شاركوا في تلك الجلسة ظلت متضاربة ومثيرة للجدل، حيث ادعى عضو المجلس عبد المنعم العرفي أن نحو أربعين نائباً حضروا الاجتماع، بينما أشارت مصادر برلمانية أخرى إلى أن العدد كان أقل من ذلك بكثير.
وقد أدى هذا التباين الكبير في الأرقام إلى استمرار الخلاف القانوني والسياسي حول مدى اكتمال النصاب القانوني اللازم لانعقاد الجلسة، وصحة القرارات التي تم إصدارها خلالها. ورغم ذلك، أكد الناطق باسم مجلس النواب عبد الله بليحق أن الاعتماد تم بالإجماع، مشيراً إلى أن المجلس اعتمد أيضاً مخرجات اللجنة الخاصة بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
ومن جانبها، رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بتأييد مجلس النواب لاتفاق «4+4»، واصفة إياه بخطوة مهمة وضرورية لدفع العملية السياسية قدماً نحو تنظيم الانتخابات. كما أشارت البعثات الدولية إلى بيان مشترك وقعه 103 نواب لدعم هذا الاتفاق، مما يعطي انطباعاً بوجود قاعدة واسعة من الدعم البرلماني له.
ويأتي الخلاف الحالي داخل المجلس في أعقاب لقاء هام جمع الرئيس عقيلة صالح بالرئيس محمد تكالة في العاصمة التركية أنقرة، وانتهى إلى التوافق على استئناف عمل لجنة «6+6» المعنية بالقوانين الانتخابية. هذا التطور يضيف بُعداً جديداً للتوترات القائمة ويضع المجلس أمام خيارات صعبة.
وبذلك يستمر الجدل داخل المشهد السياسي الليبي حول مسارين متوازيين ومتعارضين في بعض جوانبهما. المسار الأول يتمثل في اتفاق «4+4» المدعوم رسمياً من قبل الأمم المتحدة، والذي يركز على الحوار والمصالحة كمدخل للانتخابات. أما المسار الثاني فيتعلق بإعادة تفعيل مسار لجنة «6+6» المرتبط بشكل مباشر بصياغة القوانين الانتخابية وإدارة العملية التصويتية.
وتواجه ليبيا تحديات كبيرة في توحيد الرؤى حول الآليات الدستورية اللازمة للانتقال السياسي، حيث يرى البعض أن التركيز على القوانين هو الأولوية، بينما يؤكد آخرون على ضرورة تحقيق توافق سياسي شامل قبل الخوض في التفاصيل الإجرائية. هذا الانقسام يعيق التقدم نحو حل الأزمة المستمرة منذ سنوات.
وتظل الشرعية البرلمانية محوراً أساسياً للنقاش، خاصة مع وجود اتهامات متبادلة حول عدم اكتمال النصاب أو التأثير الخارجي على قرارات المجالس. كل طرف يحاول تعزيز موقفه من خلال حشد الدعم الشعبي والدولي، مما يزيد من تعقيد المشهد ويصعب مهمة الوساطات المحلية والإقليمية.
وفي الوقت ذاته، تراقب المجتمع الدولي عن كثب تطورات الوضع الأمني والسياسي، محذراً من أي إجراءات قد تؤدي إلى مزيد من الاستقطاب أو العنف. وتدعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس والعودة إلى طاولة المفاوضات لإيجاد حلول سلمية للأزمات القائمة.
وتؤكد التحليلات السياسية أن استمرار هذا النوع من التصعيد قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المؤسسات المدنية والعسكرية على حد سواء، مما يتطلب تدخلاً عاجلاً من قبل الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية لضمان حماية المسار السياسي وتجنب المزيد من الانزلاق نحو الفوضى.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار الوطن الخليجية.















