بوليتيكو: تباين مواقف دول الخليج تجاه إيران يعقّد جهود احتواء التصعيد الإقليمي

كشفت تطورات الأزمة الإقليمية المرتبطة بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران عن تباينات متزايدة في مواقف دول الخليج بشأن كيفية التعامل مع طهران، رغم استمرار التنسيق السياسي بينها والسعي المشترك للحفاظ على أمن الملاحة في مضيق هرمز ومنع اتساع دائرة الصراع.
وأظهرت التحركات الدبلوماسية الأخيرة تقارباً بين عدد من العواصم الخليجية، حيث عقد مسؤولون من دول مجلس التعاون الخليجي والأردن اجتماعات مع مسؤولين أمريكيين وأعضاء في الكونغرس، كما أصدر المجلس بيانات مشتركة أدان فيها الهجمات الإيرانية، في محاولة لتنسيق المواقف تجاه التطورات المتسارعة في المنطقة.
ورغم هذا التنسيق، تشير المعطيات إلى استمرار اختلاف الأولويات بين الدول الخليجية، إذ تتفق جميعها على أهمية إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة الملاحة، لكنها تختلف بشأن الوسائل المناسبة لتحقيق هذا الهدف وكيفية إدارة العلاقة مع إيران.
وتعود هذه التباينات إلى عوامل متعددة، من بينها اختلاف قدرة كل دولة على تصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، وتفاوت حجم العلاقات الاقتصادية والبنية التحتية المرتبطة بإيران، فضلاً عن اختلاف حجم الخسائر التي تتعرض لها اقتصادات المنطقة نتيجة استمرار الأزمة.
وتبرز هذه الخلافات في وقت يواجه فيه مجلس التعاون الخليجي تحديات داخلية متراكمة، إذ يرى مراقبون أن الحرب الأخيرة أعادت إلى الواجهة الانقسامات التي كانت قائمة داخل المجلس منذ سنوات، رغم محاولات إظهار موقف موحد في المحافل الدولية.
كما ألقى انسحاب الإمارات من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) خلال أبريل الماضي بظلاله على العلاقات الخليجية، إذ اعتبر مراقبون أن الخطوة عكست اختلافاً في الرؤى حول إدارة سوق الطاقة والتعامل مع تداعيات الأزمة الإقليمية، وهو ما أضاف بعداً جديداً للتباينات داخل المجلس.
وتعقّد هذه الانقسامات فرص التوصل إلى مقاربة خليجية موحدة لدعم أي تسوية دبلوماسية أو إعادة فتح مضيق هرمز بصورة مستقرة، إذ تميل بعض الدول إلى تشديد الضغوط على إيران، بينما تفضل دول أخرى إعطاء الأولوية لاحتواء التصعيد وإعادة حركة الملاحة في أسرع وقت.
وفي ظل استمرار الضربات العسكرية الأمريكية على إيران، ازدادت حاجة دول الخليج إلى تنسيق مواقفها، خاصة بعد تعرض البحرين والكويت والأردن لهجمات إيرانية، واستهداف الحوثيين ناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر، وهو ما دفع التحالف الذي تقوده الرياض إلى تنفيذ غارات على مواقع للحوثيين.
وترى تقديرات أمنية أن وجود موقف خليجي أكثر تماسكاً قد يعزز قدرة دول المنطقة على مواجهة التحديات الأمنية، كما يمنحها ثقلاً أكبر في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بوقف إطلاق النار أو ترتيبات الأمن الإقليمي.
وتختلف مواقف دول الخليج أيضاً في مستوى انفتاحها على الحوار مع إيران، إذ تحافظ سلطنة عُمان على دورها التقليدي كقناة اتصال ووساطة، بينما تواصل قطر اتصالاتها الدبلوماسية مع طهران، في حين تتبنى الإمارات والسعودية مقاربة مختلفة تقوم على تعزيز القدرات الدفاعية مع استمرار الانفتاح السياسي بدرجات متفاوتة.
كما تلعب الاعتبارات الاقتصادية دوراً مهماً في رسم سياسات هذه الدول، إذ تمتلك السعودية والإمارات وسلطنة عُمان منافذ بديلة لتصدير النفط والغاز بعيداً عن مضيق هرمز، في حين تعتمد قطر والكويت والبحرين بدرجة أكبر على استمرار الملاحة عبر المضيق، ما يجعل أولوياتها مختلفة عند التعامل مع أي تصعيد.
وتأتي هذه الخلافات في ظل تاريخ من التنافس السياسي بين عدد من دول المنطقة، شمل ملفات إقليمية متعددة، من بينها الأزمة اليمنية، والصراع في السودان، والخلافات السابقة التي شهدها مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الماضية.
ورغم ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى وجود إدراك متزايد لدى العواصم الخليجية بضرورة تعزيز التنسيق لمواجهة التداعيات الأمنية والاقتصادية للحرب، خاصة مع استمرار المخاوف من تعرض كل دولة لضغوط منفردة أو هجمات مباشرة.
كما تسعى دول الخليج إلى ضمان مشاركتها في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية تخص المنطقة، مع التأكيد على ضرورة مراعاة مصالحها في أي تفاهمات تتعلق بأمن الملاحة أو العلاقات مع إيران.
وفي موازاة ذلك، تواصل دول المجلس تطوير مشاريع بنية تحتية جديدة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، إذ تعمل الإمارات على توسيع خطوط الأنابيب المؤدية إلى ميناء الفجيرة على بحر العرب، بينما تبحث الكويت مع السعودية والإمارات إمكان نقل جزء من صادراتها النفطية عبر خطوط الأنابيب الإقليمية.
إلا أن هذه المشاريع لا تلغي المخاطر الأمنية، إذ تبقى منشآت الطاقة وخطوط الأنابيب معرضة لأي تصعيد إقليمي، خاصة بعد الهجمات الأخيرة التي استهدفت ناقلات نفط في البحر الأحمر، وأثارت تساؤلات حول فعالية مسارات التصدير البديلة في حال استمرار المواجهة.















