شارك في تشييع خامنئي وصافح قاتله في البيت الأبيض.. الزيدي يوازن بين واشنطن وطهران

واجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أول اختبار سياسي ودبلوماسي كبير منذ توليه منصبه، بعدما انتقل خلال أيام قليلة من المشاركة في مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي إلى لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، في مشهد يعكس تعقيدات السياسة العراقية ومساعي بغداد للحفاظ على توازن علاقاتها مع كل من واشنطن وطهران.
واعتبرت الإدارة الأميركية زيارة الزيدي إلى واشنطن إنجازاً سياسياً مهماً، في ظل سعيها إلى تعزيز نفوذها داخل العراق ودعم الحكومة الجديدة في مواجهة النفوذ الإيراني، بينما جاءت الزيارة وسط ضغوط إيرانية هدفت إلى ثني رئيس الوزراء العراقي عن جعل الولايات المتحدة أول وجهة خارجية له منذ توليه السلطة.
وكشف مسؤولان أميركيان أن مسؤولين إيرانيين مارسوا ضغوطاً على الزيدي وفريقه لإقناعه بعدم التوجه إلى واشنطن في أول زيارة رسمية خارجية، إلا أن رئيس الوزراء العراقي تمسك بقراره لقاء الرئيس الأميركي، في خطوة اعتبرها مسؤولون في الإدارة الأميركية مؤشراً على تبنيه سياسة تقوم على تقديم المصالح العراقية وتعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة.
وتولى الزيدي، وهو رجل أعمال سابق يبلغ من العمر أربعين عاماً، رئاسة الحكومة العراقية في مايو/أيار الماضي بعد أشهر من الجمود السياسي الذي أعقب الخلافات بين القوى العراقية بشأن تشكيل الحكومة الجديدة.
وجاء اختياره مرشحاً توافقياً حظي بقبول القوى السياسية الشيعية، كما نال دعماً من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي رأت فيه شخصية قادرة على قيادة العراق بعيداً عن النفوذ الإيراني، بخلاف منافسين آخرين اعتُبروا أكثر قرباً من طهران.
وأعلن الزيدي منذ الأيام الأولى لتوليه المنصب عزمه إطلاق حملة واسعة لمكافحة الفساد، إلى جانب العمل على تقليص نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، مع اتباع نهج حذر في التعامل مع هذا الملف نظراً لحساسيته السياسية والأمنية داخل العراق.
وجاءت زيارته إلى واشنطن بعد أيام فقط من مشاركته في مراسم تشييع خامنئي بمدينة النجف العراقية، قبل أن يجتمع في المكتب البيضاوي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أصدر قرار استهداف المرشد الإيراني خلال الضربة الافتتاحية للحرب الأخيرة، في مشهد وصفه مراقبون بأنه يجسد حجم التوازنات المعقدة التي تواجهها الحكومة العراقية.
وأكد مسؤولون أميركيون أن المبعوث الأميركي إلى العراق توم باراك أمضى أسابيع في ترتيب الزيارة، باعتبارها رسالة سياسية تؤكد توجه الحكومة العراقية الجديدة نحو توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة.
وحظي الزيدي باستقبال لافت داخل البيت الأبيض، حيث أضاف الرئيس الأميركي مأدبة غداء إلى جدول اللقاء، رغم أنها لم تكن مدرجة ضمن البرنامج الرسمي للاجتماعات.
وأشاد ترامب برئيس الوزراء العراقي خلال ظهورهما المشترك أمام وسائل الإعلام، واصفاً إياه بأنه “بطل جديد” وقائد يمتلك مقومات النجاح، معرباً عن اعتقاده بأنه سيبقى في منصبه لفترة طويلة.
وجلس الزيدي إلى جانب ترامب أمام عدسات الصحفيين لعدة دقائق، بينما تحدث الرئيس الأميركي عن استمرار العمليات العسكرية ضد إيران وفرض حصار بحري عليها، في حين تجنب رئيس الوزراء العراقي التطرق إلى الملف الإيراني، مفضلاً التركيز على مستقبل العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن.
وأكد الزيدي خلال اللقاء أهمية تطوير التعاون الاقتصادي بين العراق والولايات المتحدة، والعمل على توسيع الاستثمارات الأميركية داخل البلاد، إضافة إلى استكمال عملية انسحاب القوات الأميركية المقرر تنفيذها في سبتمبر/أيلول المقبل، بما ينسجم مع الاتفاقات المبرمة بين الجانبين.
كما شدد على ضرورة أن تكون جميع الأسلحة داخل العراق تحت سلطة الدولة، في إشارة إلى ملف الفصائل المسلحة، الذي شكل أحد أبرز محاور المباحثات مع الرئيس الأميركي ووزير الدفاع بيت هيغسيث.
وأفاد مسؤول أميركي بأن مجرد جلوس الزيدي إلى جانب ترامب أثناء حديثه عن إيران حمل دلالات سياسية واضحة، وأظهر استعداد رئيس الوزراء العراقي للمضي في تعزيز العلاقات مع واشنطن رغم اعتراضات طهران.
وأوضح المسؤول أن الإدارة الأميركية تنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مؤشراً على جدية الحكومة العراقية الجديدة في تنفيذ تعهداتها، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة وتقليص نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران.
واحتل ملف نزع سلاح الفصائل المسلحة حيزاً رئيسياً في مباحثات الزيدي مع كبار المسؤولين الأميركيين، إذ ترى واشنطن أن نجاح الحكومة العراقية في هذا الملف سيكون معياراً أساسياً للحكم على قدرتها على فرض سلطة الدولة وتعزيز الاستقرار الداخلي.
ويأمل المسؤولون الأميركيون أن تمثل زيارة الزيدي بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين بغداد وواشنطن، وأن تتحول التعهدات التي أعلنها رئيس الوزراء العراقي إلى خطوات عملية خلال الأشهر المقبلة، بما يعزز استقلال القرار العراقي ويحد من نفوذ الجماعات المسلحة داخل البلاد، في وقت تواصل فيه بغداد محاولة الحفاظ على توازن دقيق بين شريكيها المتنافسين، الولايات المتحدة وإيران، وسط تصاعد التوترات الإقليمية.















